آخر تحديث: 3 / 5 / 2026م - 3:09 م

حتى لا يكون الموظف المواطن الحلقة الأضعف

الدكتور ماهر آل سيف *

في زمنٍ تتقلّب فيه الأسواق، وتضيق فيه هوامش الربح، وتتوالى فيه الأزمات العالمية على الاقتصاد كما تتوالى الرياح على السفن، لا يجوز أن يكون الموظف المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة العمل. فالأزمات الاقتصادية لا تُدار بتخفيف العبء عن المنشآت على حساب أمن الأسر، ولا تُعالج بإزاحة الكفاءات الوطنية وإبقاء من هو أقل ارتباطًا بمستقبل الوطن. إن سوق العمل العادل ليس سوقًا بلا صعوبات، بل سوقٌ تحكمه الأنظمة، وتصونه الرقابة، وتمنع فيه القوانين أن يتحول القلق الاقتصادي إلى ذريعة للفصل أو التضييق أو التحايل.

وقد أحسن المنظم السعودي حين جعل العمل حقًا للمواطن، ونصّ في نظام العمل على أن على المنشآت استقطاب السعوديين وتوظيفهم، وتوفير وسائل استمرارهم في العمل، وإتاحة الفرصة لهم لإثبات كفاءتهم بالتوجيه والتدريب والتأهيل. كما قرر النظام أن نسبة العمال السعوديين لدى صاحب العمل لا تقل في الأصل عن 75% من مجموع عماله، مع صلاحية الوزير في تخفيضها مؤقتًا عند عدم توافر الكفاءات أو تعذر شغل بعض الوظائف بالمواطنين. وهذا النص ليس عبارة تجميلية في هامش النظام، بل هو فلسفة وطنية: الوظيفة ليست رقمًا في كشف الرواتب، بل أمن أسرة، واستقرار مجتمع، ومشاركة في بناء الاقتصاد.

والتوطين في المملكة لم يعد شعارًا عامًا، بل أصبح منظومة امتثال ورقابة وقياس، ومن ذلك برنامج «نطاقات» وقرارات توطين مهن متعددة، وتحديث آلية احتساب نسب التوطين عبر العقود الموثقة في منصة «قوى»، بما يعزز الشفافية ويمنع التلاعب في الأرقام الورقية أو الظاهرية.

ومن هنا، فإن مسؤولية الشركات ليست أن تبحث عن الثغرات، بل أن تبني بيئة عمل محترمة تحفظ كرامة الموظف وتستثمر في كفاءته. فالتوطين الحقيقي لا يعني تعيين المواطن في وظيفة هامشية ثم دفعه نفسيًا إلى الاستقالة، ولا يعني تضييق بيئة العمل عليه حتى يخرج «طوعًا» في الظاهر وكرهًا في الحقيقة. وقد بيّنت الأنظمة أن العامل له حقوق لا تسقط بالإكراه أو الإهانة أو سوء المعاملة، وأن بيئة العمل ليست مساحة مغلقة تمارس فيها السلطة بلا ضابط.

كما أن الرقابة الرسمية ليست ترفًا إداريًا، بل ضرورة اقتصادية؛ لأن أي تساهل في متابعة التوطين أو بيئة العمل يفتح فجوة خطيرة بين أرقام البطالة وأرقام الامتثال. وقد وفرت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية قنوات لتلقي بلاغات مخالفات نظام العمل، بما يتيح للأفراد وأصحاب العمل والزائرين الإبلاغ عن مخالفات سوق العمل ومتابعة البلاغات إلكترونيًا. وهذه خطوة مهمة، لكنها تحتاج دائمًا إلى مزيد من التعريف والتفعيل والسرعة، حتى يشعر الموظف أن صوته مسموع، وأن حقه لا يذوب بين المكاتب والإجراءات.

إن المطلوب اليوم وعيٌ ثلاثي: موظف يعرف حقوقه وواجباته، وشركة تدرك أن الامتثال حماية لها لا عبء عليها، ورقابة حازمة تجعل النظام واقعًا لا ورقًا. فالوطن الذي فتح أبواب الاستثمار والعمل للمنشآت، إنما أراد منها أن تكون شريكًا في التنمية لا عبئًا على الاستقرار. وحين نحمي الموظف المواطن من الفصل غير العادل، ومن التنمر الوظيفي، ومن التحايل على نسب التوطين، فإننا لا نحمي فردًا فقط، بل نحمي بيتًا، وسوقًا، واقتصادًا، ومستقبلًا.

والخلاصة أن التوطين ليس ضد أحد، بل مع الوطن أولًا؛ ومع المنشأة الملتزمة ثانيًا؛ ومع سوق عمل أكثر عدالة ونضجًا واستدامة. فالقانون حين يطبَّق بعزم، والتوعية حين تنتشر بحكمة، والبلاغ حين يصل من غير خوف، يصبح الموظف المواطن قوة في سوق العمل لا ضحية له، وتصبح الأزمات امتحانًا للوعي لا مدخلًا للبطالة.

ولعل من المهم، في ظل الحكومة الإلكترونية التي قطعت المملكة فيها شوطًا متقدمًا، أن يُعزَّز هذا المسار بتطبيق أو منصة أكثر تخصصًا وسرعة، تتيح للموظف رفع شكواه بوضوح ضد التنمر الوظيفي، أو الضغط غير المباشر للاستقالة، أو التحايل على نسب التوطين، مع آلية عاجلة للنظر في البلاغات، وحفظ الأدلة، ومتابعة الحالة، وإشعار المنشأة بجدية المساءلة. فحين تدرك إدارات الشركات أن كرامة الموظف ليست شأنًا داخليًا مغلقًا، وأن الضغط عليه أو دفعه للخروج لن يمرّ بصمت، فإن بيئة العمل ستصبح أكثر انضباطًا، وسيكون القانون حاضرًا في المكاتب قبل أن يحضر في المحاكم.