آخر تحديث: 3 / 5 / 2026م - 3:09 م

حين يتحوّل الإعجاب إلى محاكمة

عبد الله صالح الخزعل

حين نعجب بشخصية اجتماعية فاعلة، شاعرًا كان أو كاتبًا أو خطيبًا أو فنانًا، فإننا نرى فيها مرآةً تعكس القيم التي نحبها، ونلمح في حضورها بريقًا يضيء لنا الطريق. هذا الإعجاب طبيعي، بل هو دليل على أن الإنسان يبحث دائمًا عن النموذج الملهم، عن الصوت الذي يوقظ فيه الأمل، وعن الكلمة التي تفتح له أبواب المعنى. لكن الخطأ يبدأ حين نُحوّل هذا الإعجاب إلى قيدٍ صارم، فنطالب تلك الشخصية أن تظل أسيرة توقعاتنا، وأن لا تخالفنا في رأي أو توجه، وكأنها معصومة من الخطأ أو الاختلاف.

هنا يتجلّى القصور في التعاطي الإنساني والديني: أن نحاكم الناس لمجرّد كلمة أو موقف، وأن نُقصيهم من دائرة الصلاح وكأنّ حياتهم الطويلة من العطاء قد أُلغيت في لحظة. بينما الدين الحق يعلّمنا أن البشر جميعًا عرضة للخطأ، وأن الرحمة والإنصاف هما جوهر التعامل.

المنطق الإنساني يقول إنّ الإنسان يُقاس بمجموع عطائه، لا بزلةٍ عابرة أو كلمةٍ عابرة. والفلسفة الأخلاقية ترى أنّ المجتمع الذي يُقصي أبناءه لمجرّد اختلافٍ، إنما يضيّق على نفسه سبل النمو، ويحوّل التنوع إلى تهديد بدل أن يكون ثراءً. أما الدين، فقد جعل النصيحة بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالقسوة والنبذ، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ .

إنّ أي إنسانٍ مؤثر في مجاله، مهما علا شأنه، يبقى بشرًا طبيعيًا ينطبق عليه ما ينطبق علينا جميعًا. ومن الطبيعي أن يخالفنا الرأي أو يختلف معنا في التوجه، لكن ليس من حقنا أن نجعل من محبتنا له إذنًا للقسوة عليه عند أول اختلاف، أو أن نُقصيه ونحاكمه لمجرّد موقفٍ عابر. فالحياة أوسع من أن تُختزل في لحظة، والإنسان أعمق من أن يُلغى بسبب كلمة.

فلنكن إذن دعاة رحمة لا قضاة قسوة، ولننظر إلى الناس بعين الإنصاف لا بعين الهوى. فالله وحده هو الحكم العدل، وهو الأعلم بالسرائر، وهو الذي يغفر الزلات ويقبل التوبة. إنّما الحق أن نعيد للإنسان مكانته، وأن نُدرك أن الاختلاف ليس عيبًا بل سمة الحياة، وأن الرحمة هي وحدها التي تحفظ للإنسان إنسانيته، وللمجتمع توازنه، وللدين جوهره الأصيل.