آخر تحديث: 5 / 5 / 2026م - 2:09 م

بِرّوا أحبابكم في أبنائهم

الدكتور ماهر آل سيف *

من أحبّ أخاه فليحبّ فرحه في أولاده، ومن أراد برّ ابنته فليُكرم أبناءها.

من أجمل صور البرّ التي يغفل عنها الناس: أن تبرّ أخاك وأختك في ولدهم، وابنك في أطفاله، وابنتك في ذريتها؛ فالقلب لا يسكن في صدر صاحبه وحده، بل يتوزّع في وجوه أبنائه. ومن أراد بابًا واسعًا إلى قلب أخيه، فليطرق باب أولاده بالحب، ومن أراد أن يزرع وُدًّا لا ييبس، فليُحسن إلى الصغار قبل الكبار.

نحن أحيانًا نبالغ في المجاملات مع البعيد، فإذا رأينا ابن الغريب قلنا: ما شاء الله، قمر يمشي على الأرض! وإذا رأينا ابن الأخ أو الأخت قلنا: ما هذا الإزعاج؟ كأن الطفل جاء إلى الدنيا بقرار وزاري لإفساد المزاج! مع أن الأقرب أولى باللطف، والرحم أحق بالبسمة، والصغير لا يطلب منك قصرًا منيفًا؛ تكفيه كلمة حلوة، وحضن دافئ، وهدية صغيرة لا تُفلس الميزانية ولا تُدخل البنك في اجتماع طارئ.

لقد عظّم القرآن صلة الرحم، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ، وجعل الإحسان خلقًا جامعًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ . ومن الإحسان أن لا تكون علاقتنا بالأبناء علاقة تفتيش وملاحظات: لماذا لم يسلم؟ لماذا صوته عالٍ؟ لماذا كسر الكوب؟ كأننا لجنة تحقيق لا عائلة محبة. الطفل يحتاج توجيهًا، نعم، لكنه يحتاج قبله قبولًا؛ فالقسوة لا تصنع أدبًا بقدر ما تصنع مسافة.

وقال النبي ﷺ: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا»، وقال ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم». والرحمة هنا ليست شعارًا يُكتب في حالات الواتساب ثم يُنسى عند أول صراخ طفل في المجلس؛ الرحمة أن نخفف على أمه وأبيه، لا أن نزيدهما تعبًا بتعليقاتنا الذهبية: ”أولادكم ما شاء الله يحتاجون نظام أمم متحدة!“

وبرّ الإخوة والأخوات لا يكون فقط بزيارتهم أو السؤال عنهم، بل بالفرح لأولادهم، وتشجيعهم، وحفظ كرامتهم أمام الناس. لا تسخر من شكل طفل، ولا من دراسته، ولا من خجله، ولا من حركته؛ فالكلمة عند الكبير تمرّ، وعند الصغير تقيم بيتًا في الذاكرة. وقد نُسب إلى الإمام علي قوله: «قلوب الرجال وحشية، فمن تألّفها أقبلت عليه»، فكيف بقلوب الأطفال؟ إنها أسرع إقبالًا، وأشد صفاءً، وأطول وفاءً.

برّوا أبناء إخوتكم وأخواتكم؛ فهم امتداد الدم، ورائحة البيت، ووجوه الغد. وبرّوا أبناءكم وبناتكم في أولادهم؛ فلا تجعلوا الجدّية قبرًا للحنان، ولا تجعلوا النصيحة عصًا مرفوعة. قبلة على رأس طفل قد تصلح ما أفسدته سنوات من الجفاء، وهدية صغيرة قد تقول: نحن أهلك، لا ضيوف عابرون في حياتك.

فالعائلة لا تكبر بعدد أفرادها، بل بمقدار الرحمة بينهم. ومن أراد أن يبقى محبوبًا في ذاكرة الصغار، فليكن خفيف الروح، طيب اللسان، واسع الصدر؛ فالطفل لا ينسى من أحبه، ولا ينسى أيضًا من جعله يشعر أنه ”مشروع إزعاج متنقل“. عيشوا الرحمة قبل أن تعظوا بها، وازرعوا الفرح في صغاركم؛ فغدًا يكبرون، وحينها ستعرفون من الذي زرع محبة، ومن الذي زرع مسافة.