آخر تحديث: 5 / 5 / 2026م - 2:09 م

حين تتحوّل النصيحة إلى اختبارٍ للأخلاق

رضي منصور العسيف *

لم تكن الحكاية مقصودة، بل جاءتني صدفة، كما تأتي بعض المواقف الصغيرة لتترك أثرًا كبيرًا. كنتُ أتصفّح هاتفي في لحظة هدوء، حتى توقّف بصري عند مقطعٍ قصير لطفلٍ صغير لا يتجاوز الرابعة أو الخامسة. كان شعره طويلًا، منسدلًا كخيطٍ من حرير، مربوطًا بعناية. ابتسمتُ في البداية، وقلت في نفسي:

— يا لها من طفلة جميلة!

لكن… شيئًا ما في التعليقات شدّني. عدتُ أقرأها بتركيز، فإذا بالحقيقة تتكشّف: إنه طفل، ولد. تغيّر إحساسي فجأة، وكأنّ الصورة نفسها بدأت تروي قصةً أخرى.

توقّفت عند تعليقٍ كتبته أمّه:

”مو هاين عليّ أقص شعره…“

ثم بدأت التعليقات تتساقط كالمطر؛ بعضها كان قاسيًا كالسهم، وبعضها الآخر جاء بلطفٍ يشبه الدعاء.

وقفتُ متأمّلة. لم يكن المشهد مجرد صورة طفل، بل كان مرآةً لحواراتٍ تدور في داخلنا نحن الأمهات؛ بين الحب، والخوف، والحرص، وأحيانًا الغفلة.

تردّدت قليلًا، ثم كتبتُ تعليقًا بسيطًا: كلمات لا تحمل هجومًا ولا قسوة، بل رأيًا أراه صوابًا، ونصيحةً بهدوء؛ أن نحافظ على الفطرة، وأن يبقى لكلٍّ سمته التي خُلق عليها.

أغلقتُ الهاتف، ومضت ساعةٌ هادئة، لكن الفكرة ظلّت تدور في داخلي، كأنها تهمس لي: عدي… فهناك ما لم يكتمل بعد.

عدتُ إلى الصفحة، إلى ذات المقطع، إلى ذات الحكاية التي بدأت بلحظةٍ عابرة. وبين سطور التعليقات، توقّف بصري فجأة… كان هناك ردٌّ جديد من الأم، لكن هذه المرة لم يكن كما توقّعت.

قرأت كلماتها ببطء:

”أشكر كل من انتقد أو قدّم نصيحة، وأقدّر كل من كتب باحترام.“

شعرتُ بشيءٍ من السكون يتسلّل إلى قلبي، كأن ضجيجًا كان يهدأ داخلي أنا أيضًا.

ثم لفت انتباهي رسالةٌ وصلتني في بريدي الإلكتروني، كانت منها:

”شكرًا لكلماتك اللطيفة… العودة للفطرة.“

توقّفت عند العبارة، وكأنها كانت تُقال لي، ولها، ولكل أم.

ثم تابعتُ قراءة رسالتها:

”أنا كأي أم، أحب أن أرى ابني في أجمل صورة، وقد أنشغل أحيانًا بهذا الحب، فأغفل عن رؤية الحقيقة كما هي، حتى يأتي من يوقظني بلطف.“

أغمضتُ عيني لحظة. ”يوقظني بلطف“ … يا لها من عبارة! كأنها لم تُكتب لها وحدها، بل كُتبت لنا جميعًا.

ثم ختمت رسالتها بقرارٍ هادئٍ يشبه النضج:

”قررت أن أعود للفطرة، ويبقى الولد ولدًا.“

انتهت الرسالة. ابتسمتُ… لم تكن ابتسامة انتصار، بل ابتسامة أمٍّ فهمت أمًّا أخرى.

شعرتُ أن القلوب - مهما اختلفت - تلتقي حين تُخاطب برفق، وأن الكلمة الطيبة لا تضيع، بل تنتظر لحظتها المناسبة لتزهر.

كم من مواقف مررنا بها نحن الأمهات، كنا بحاجةٍ فيها إلى من يوقظنا بلطف، لا إلى من يُديننا بقسوة.

وربما كنتُ أنا يومًا في موضعها، وربما تكونين أنتِ أيضًا؛ حين نرى أبناءنا بعيون الحب فقط، فنحتاج من يفتح لنا نافذةً أخرى دون أن يكسر الزجاج.

في تلك اللحظة، أدركتُ أن النصيحة ليست معركةً نكسبها، بل رسالة نغرسها؛ قد تنبت فورًا، وقد تنتظر وقتها المناسب.

وأن أعظم ما في الأخلاق ليس أن نقول الصواب فقط، بل أن نقوله بلطف، وأن نمنح الآخرين مساحةً ليروه بأنفسهم.

أغلقتُ الهاتف هذه المرة، وقلبي أكثر هدوءًا. تعلمتُ أن الكلمة الطيبة لا تُقاس بوقعها اللحظي، بل بأثرها البعيد، وأن القلوب لا تُفتح بالقوة، بل تُطرق برفق.

فليست كل نصيحة تُقال تُقبل، لكن كل نصيحة تُقال بلطف… تجد طريقها يومًا ما.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف