الظاهر خير
بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من اندلاعٍ للحرب الباردة بين الشرق والغرب، ثم انهيار القطب الشرقي وتفككه؛ اتجهت القوى المنتصرة إلى تعميم أهدافها على نطاق واسع وفرض قيمها على المجتمعات الأخرى من دون رادع. دخل العالم في معتركٍ آخر سياسيًا واقتصاديًا بلمسة حريرية أحيانًا، وبسخونة شديدة أحيانًا كثيرة، ففرض المنتصر بشركاته ونفوذه وأطماعه وصايةً على الاقتصاد والسياسة العالميين، سواء كانت هذه الوصاية برضا الهيئات الدولية أو تحت ضغوط لا طاقة للهيئات الدولية على مقاومتها أو رفضها. وتفرض تلك القوى العالمية والشركات الكبيرة تشريعات أحادية وهيمنة انفرادية بالقرار الدولي ومصير العالم.
لا يخفى ارتباط أجزاء العالم بعضها ببعض، فكما أن العالم قرية صغيرة في اتصالاته وتواصله؛ كذلك هو بعلاقاته الاقتصادية والسياسية وغيرها من العلاقات. ومن المفترض أن تكون علاقات ودية تستفيد منها كل الأطراف بشكل متساوٍ من دون فكر تسلطي؛ إذ إن الواقع يشهد تقاسم قوى عالمية للعالم بتقسيمات مخطط لها وصولًا إلى هيمنة قوة عالمية واحدة، بشتى الطرق ومختلف الأساليب المعروفة والمخفية، بقبضة حديدية حينًا وقبضة حريرية حينًا آخر، و«من تكسب به العب به».
رغم تحقق بعض أهداف القوى العالمية بشركاتها العابرة للحدود والمسنودة إلى قوى مؤثرة في القرار العالمي؛ لم يسلم العالم من تلك المخططات. لقد خرج المشروع الاستحواذي من الباب ودخل من النافذة بأشد قساوة وأكثر تأثيرًا. إنه مشروع إفشال كل تغيير على الواقع وتدمير أي مسعى لبناء مجتمعات أفضل وبناء اقتصاد مفيد، ينفع المحتاجين للقمة العيش والخروج من قبضة قوى لا تؤمن بالحوار والتنوع، بل المطلوب الذوبان في متطلبات لا يخرج منها إلا مكبلًا بضغوط متعددة، بأساليب غير إنسانية لا مكان فيها للرأي الآخر، ولا أحد يمتلك حق الاعتراض على الأفكار المطروحة والأوامر المقررة، ولا بديل عن هذا الرأي، وهذا ما حاولت تلك القوى العالمية ترسيخه في أذهان الآخرين، كحالة بديهية وأمر واقع.
وواقع حتمي، كأنه لا يوجد خيار آخر يمكن اختياره واللجوء إليه. تُفعَّل حالة من الهيمنة المقيتة في أسوأ حالاتها، لا امتيازات بل مصلحة تصب في اتجاه واحد، تضيع فيها اقتصادات كثيرة وتتردى حالات اجتماعية خطيرة، كل أملها قوت يومها ورعاية صحية في أبسط درجاتها.
يعيش العالم مصطلحات لا تُطبَّق على أرض الواقع؛ لغة الحوار المتكافئ مفقودة، والمسعى العالمي المسيطر على الاقتصاد العالمي يهدف إلى أن تصب خيرات العالم في جيب تلك القوى، بينما لا يبقى للعالم الثالث ومناطق أخرى من العالم سوى الفتات. إنه مشروع ابتلاع خيرات العالم وتشكيل عالم بمقاييس خاصة، يهدد اقتصادات العالم وخصوصًا دول العالم الثالث التي ترزح في المجهول، وسيطرة بمسميات ظاهرها الخير وباطنها الضياع، مسميات مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة وغيرها، والنتيجة الدخول في متاهات من الضياع ومزيد من الفقر والبطالة وتردي البنى التحتية في بلدان مثل إفريقيا تمتلك موارد وخيرات سُلبت منها بإلغاء شخصيتها وإجبارها على الذوبان في التبعية الاقتصادية وما يتولد عنها من قيود في جميع المجالات.
يُشاهد فيها بلا حياء ازدواجية المعايير، بحيث يُغض الطرف عن انتهاكات في مكان وتُجرَّم في مكان آخر بحسب المصالح التجارية ومدى النفوذ ومدى قبوله، كل ذلك بلمسات حريرية وبكلمات براقة تُبشر بالازدهار الاقتصادي والتنمية والرفاه والعيش الرغيد والانتعاش المعيشي والرقي الاقتصادي وفتح الأسواق.
كل ذلك ليس إلا شعارات استهلاكية؛ فالواقع على الأرض أن العالم بشكل عام والعالم الثالث بشكل خاص يزداد فقرًا، وتكثر فيه البطالة، وتتردى البنى التحتية الضرورية للمجتمعات، والويل والوعيد لكل صوت يئن من ثقل المصاب.
العالم المتعب بثقل المعيشة وهمّ لقمة العيش يتوق إلى من يمد له يد العون، لكن المنادَى لا يملك الرحمة ولا يُرجى منه بادرة خير، إنه فكر يأخذ ولا يعطي؛ وعقلية همها الاستحواذ ومشروعها الربح ثم الربح.












