آخر تحديث: 6 / 5 / 2026م - 2:21 م

كيف يعيد الكوتشينج ترميم العلاقات؟

محمد يوسف آل مال الله *

في عالم تتسارع فيه وتيرة الخلافات وتتعمّق فيه الفجوات الإنسانية، يبقى ”إصلاح ذات البين“ قيمة عليا دعا إليها الإسلام بوصفها ركيزة لاستقرار المجتمع وسلامه الداخلي. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات 10]، ويُروى عن النبي ﷺ أنّه قال: ”إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام“. لكن في ظل تعقيدات الحياة الحديثة، يبرز سؤال مهم: هل يمكن لأدوات الكوتشينج المعاصرة أن تُسهم في هذا الإصلاح دون أن تتجاوز حدودها المهنية؟

الكوتشينج، في جوهره، ليس وساطة مباشرة ولا حكمًا بين طرفين، بل هو عملية واعية تهدف إلى تمكين الفرد من فهم ذاته بعمق. وهنا تكمن نقطة الالتقاء مع مفهوم الإصلاح؛ إذ لا يمكن بناء جسور بين الناس قبل ترميم الداخل. فالكوتش لا يفرض حلولًا، ولا يصدر أحكامًا، بل يطرح أسئلة تفتح آفاق التفكير، وتعيد تشكيل الإدراك.

أحد أبرز أدوار الكوتشينج في هذا السياق هو إعادة تأطير الفهم؛ فكثير من النزاعات تنشأ من سوء تفسير النوايا. عندما يُسأل الفرد: ”هل هناك احتمال آخر لتفسير ما حدث؟“ يبدأ بالتراجع خطوة عن موقفه، ويرى الصورة من زاوية أوسع. هذا التحوّل البسيط قد يكون مفتاحًا لانفراج كبير.

كما يعزز الكوتشينج مهارة الاستماع الفعّال، التي تُعد من أندر المهارات في أوقات الخلاف. فحين يشعر الإنسان أنّه مسموع دون مقاطعة أو حكم، يهدأ دفاعه الداخلي، ويصبح أكثر استعدادًا للتفاهم. وهذا يتناغم مع التوجيه القرآني: ﴿… وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا … [البقرة 83].

ومن الاستراتيجيات المحورية أيضًا فصل الشخص عن المشكلة؛ حيث يتم تحويل الصراع من مواجهة شخصية إلى تحدٍ مشترك. فبدل ”أنا ضدك“، يصبح ”نحن ضد المشكلة“، وهو انتقال يخفف التوتر ويفتح باب التعاون.

ومع ذلك، يبقى من الضروري الحفاظ على أطر الكوتشينج المهنية. فالكوتش ملتزم بالحياد التام، لا ينحاز لأي طرف، ويحافظ على سرية ما يُطرح في الجلسات. كما أنّه لا يقدم حلولًا جاهزة، بل يساعد الأطراف على اكتشافها بأنفسهم. إضافة إلى ذلك، يجب التفريق بين الكوتشينج وبين الإرشاد النفسي أو الفتوى الشرعية؛ فإذا تجاوزت الحالة نطاق الكوتشينج، فإنّ الإحالة إلى مختص تصبح ضرورة أخلاقية.

عمليًا، يمكن توظيف الكوتشينج في إصلاح ذات البين عبر خطوات مدروسة: بدءًا بجلسات فردية لكل طرف لتهدئة المشاعر وبناء الوعي، مرورًا بتمارين إعادة التأطير، ثم تحديد نوايا مشتركة كالحفاظ على العلاقة، وانتهاءً بجلسة مشتركة تُدار بوعي ونضج بعد تهيئة كافية.

في النهاية، لا يُصلح الكوتشينج العلاقات بالنيابة عن الناس، بل يعيد إليهم قدرتهم على الإصلاح. إنّه يعمل في العمق، حيث تتشكل القناعات وتُبنى النوايا. وهناك، فقط، يبدأ الإصلاح الحقيقي… من الداخل إلى الخارج.