آخر تحديث: 8 / 5 / 2026م - 2:22 م

كيف ينظر إلى المدن الصديقة للبيئة؟

رائد بن محمد آل شهاب

في عصر التغير المناخي المستمر وتزايد التلوث، أصبحت بعض المدن حول العالم نماذج يُحتذى بها في مجال الاستدامة. فمن خلال استثماراتها في الطاقة المتجددة، والمباني الخضراء، والنقل العام، وتطوير المساحات الخضراء، تُظهر هذه المدن إمكانية التوفيق بين أنماط الحياة العصرية والاهتمام بكوكب الأرض. سأذكر مدينتين وردتا في التقارير العالمية، ترسخان معايير حماية البيئة والاستدامة:

كوبنهاغن، الدنمارك - مدينة المستقبل التي تعمل بطاقة الرياح

لطالما اعتُبرت كوبنهاغن واحدة من أكثر مدن العالم خضرةً، وتطمح إلى ما هو أبعد من ذلك، إذ تسعى لأن تصبح أول عاصمة محايدة للكربون في العالم لعام 2025. كيف تعتزم تحقيق ذلك؟ الطاقة المتجددة وتشجيع وسائل النقل الصديقة للبيئة هما مفتاح هذا الهدف.

تهيمن الدراجات الهوائية على المدينة، حيث يستخدمها أكثر من 40% من السكان للتنقل إلى العمل أو المدرسة، وتُعدّ البنية التحتية للدراجات من بين الأفضل في العالم. علاوة على ذلك، تُستمد معظم طاقة كوبنهاغن من توربينات الرياح، وتستخدم أنظمة التدفئة المركزية الحديثة الحرارة المهدرة لتدفئة المباني. كما تلتزم المدينة بالبناء الأخضر، حيث صُممت المجمعات السكنية الحديثة، مثل نوردهافن، لتقليل الانبعاثات إلى أدنى حد وزيادة استخدام الطاقة المتجددة إلى أقصى حد. تُظهر كوبنهاغن أن التنمية الاقتصادية يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع الاهتمامات البيئية. فمن خلال الاستثمار في النقل والطاقة والتكنولوجيا الحديثة، تُصبح المدينة نموذجًا يُحتذى به للمدن الكبرى الأخرى حول العالم.

ريكيافيك، آيسلندا - مدينة تستمد طاقتها من الطبيعة

تُعد ريكيافيك ظاهرة بيئية حقيقية. تستخدم العاصمة الآيسلندية ما يقرب من 100% من مصادر الطاقة المتجددة، حيث تعتمد التدفئة على الطاقة الحرارية الأرضية، وتُستمد الكهرباء من محطات الطاقة الكهرومائية. ونتيجة لذلك، يتمتع السكان بهواء نقي وتكاليف طاقة منخفضة، ولا تُصدر المدينة أي غازات دفيئة تقريبًا.

لكن سلطات ريكيافيك لا تتوقف عند هذا الحد. تُولي مدينة ريكيافيك اهتمامًا بالغًا بتطوير وسائل النقل العام، وتشجع سكانها على استخدام السيارات الكهربائية، إذ تُعدّ بنيتها التحتية لشحن السيارات الكهربائية من بين الأفضل في أوروبا. إضافةً إلى ذلك، تسعى ريكيافيك إلى التخلص التام من الوقود الأحفوري بحلول عام 2040.

تُجسّد آيسلندا نموذجًا يُحتذى به في كيفية استخدام الموارد الطبيعية بذكاء، مما يُؤدي إلى مدينة خالية تقريبًا من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. تُعدّ آيسلندا مصدر إلهام لباقي دول العالم الساعية إلى تبني ممارسات صديقة للبيئة.

طبعًا، عند الرجوع إلى التقرير أعلاه، نجد أنَّ كلتا الدولتين تتمتعان بأجواء مناخية رائعة، وهذا يساعدها أكثر على فرض خيارات واسعة للصداقة مع البيئة. ففي الشأن المحلي، بيئتنا قاسية جدًا، وقد يكون أقرب الخيارات إلى تحقيقها هي الطاقة الشمسية والنقل والتشغيل الكهربائي.

على سبيل المثال، تتطلب السيارات الكهربائية صيانة أقل، وهي موثوقة للغاية، ولا تحتاج تقريبًا إلى صيانة دورية. وهذا يعني أننا سنحتاج إلى عدد أقل بكثير من ميكانيكيي السيارات. ستختفي على الأرجح وظائف بعض فئات الميكانيكيين، مثل المتخصصين في ناقلات الحركة وأنظمة العادم، وربما استبدال أجزاء المكابح. كما أن تغيير الزيت لم يعد ضروريًا في عالم السيارات الكهربائية بالكامل. لذا، من المرجح أن يتقلص عدد العاملين في صيانة وإصلاح المركبات، لكنه لن يختفي. فنيو صيانة السيارات مشغولون للغاية، والتدريب جزء لا يتجزأ من عملهم. لكن معظمهم حاليًا يفتقرون إلى التدريب الكافي، أو حتى التدريب المحدود في مجال السيارات الكهربائية لسبب بسيط وهو قلة تعاملهم معها. ومع ازدياد انتشار السيارات الكهربائية في أساطيل السيارات، سيزداد عدد الفنيين الحاصلين على التدريب المتخصص اللازم.

ومن هنا نعود إلى قاعدة المثلث، لدراسة وتبادل الخبرات بين الشركات الكهربائية المحلية والعالمية، وتقديم مقترحات جديدة لكيفية إحلال الكهرباء مكان الوقود الأحفوري، خاصةً في وسائل النقل الخاص والعام.

قد يدوم الوقود الأحفوري في وسائل النقل العام بين 15 إلى 20 سنة في عدة دول، ولكن يجب علينا إعادة النظر مبكرًا إلى عالم ما بعد الوقود الأحفوري في وسائل النقل بشكل عام. على سبيل المثال، يوجد مناطق صناعية شاسعة المساحات للصناعات الاستهلاكية الخفيفة، كصناعة الزجاج وتشكيل الأخشاب وغيرها، وتشمل العديد من ورش إصلاح وبيع قطع السيارات ووسائل النقل بشكل عام.

نظرًا للبيئة المناخية القاسية بالحرارة؛ فإنَّ العمر الافتراضي لوسائل النقل وغيرها من العناصر الأخرى حولنا، ينخفض فوق النصف 50% بعكس دول كثيرة حول العالم. ولذلك تغزو هذه المناطق ورش إصلاح وبيع قطع وسائل النقل، وقد تحتل في أغلب الأحيان أكثر من 70% من إجمالي المساحات. وهذا يقودنا إلى تقييم وضع هذه المناطق بشكل أكبر ودراستها بشكل أعمق للمستقبل القريب والبعيد 2030,2040,2050:

• كيف ستكون إعادة هيكلتها؟

• هل الورش التقليدية وبيع مستلزماتها ستكون مراكز تدريب لحقبة النقل الكهربائي؟

• هل الورش التقليدية وبيع مستلزماتها ستكون مراكز صيانة للنقل الكهربائي؟

• ما النسبة المئوية % لانخفاض أعمال الفنيين الأجانب من الجنسيات المختلفة؟

• هل ستكون المنطقة جاذبة للعمل للمواطن المحلي في بيئة ما بعد الوقود الأحفوري؟

• هل نستطيع إشراك مصانع لتدريب تصنيع الألواح الشمسية والمنتجات الأخرى الصديقة للبيئة في هذه المناطق، وكيفية تشغيلها؟

المصادر:

The world’s greenest cities - who is doing it best? By/ Oliwia - One More Tree Foundation, March 2025

How many auto mechanics are there in the US? Are they at risk of being phased by self-driving and electric cars? By/ Quora