هل يمكن أن تنجح دون أخلاق
قد يبلغ الإنسان القمة بمهاراته وطموحه وإصراره، غير أن حقيقة النجاح لا تقاس بالوصول وحده، بل بالطريق الذي أوصله إليه؛ فليست كل الطرق التي ترفعك قادرة على أن تبقيك، ولا كل قمةٍ تنال بأي وسيلة تصلح مقامًا للاستقرار فوقها.
وهنا تستوقفني قصة رمزية بليغة تشبه الواقع أكثر مما تشبه الخيال، وهي «قصة البطة والثور» حين أرادت البطة أن ترتقي إلى مكانٍ عالٍ لا تبلغه بطبيعتها، فمدّ لها الثور يد العون بطريقة بدت في ظاهرها دعمًا ورفعةً لكنها في حقيقتها كانت وسيلة غير صالحة للاستمرار؛ إذ ارتفعت على قوةٍ فاسدة، وأرضٍ مغشوشة، لا تستند إلى قاعدة صحيحة.
وهذه ليست مجرد حكاية، بل نموذج يتكرر كثيرًا في بيئات الأعمال، حين يختصر الطريق بوسائل تفتقر إلى النزاهة والأمانة، فيمنح البعض مناصب لا يستحقونها، وفرصًا لا تعكس كفاءتهم، لا لشيء إلا لأنهم مقربون من صاحب القرار، أو بارعون في المجاملة، على حساب الاستحقاق والموضوعية.
وهنا ينبثق السؤال الجوهري: ما هي أخلاقيات العمل؟ ولماذا يبدو أحيانًا غير الأخلاقيين أكثر نجاحًا وبروزًا؟ وما الفرق بين النجاح الزائف والنجاح المستدام؟
الأخلاق ليست مجرد شعارات، أو كلمات تقال في الاجتماعات أو المناسبات، أو تنتقل من مجموعة إلى أخرى عبر وسائل التواصل، بل هي منظومة من القيم والمبادئ التي تضبط سلوك الفرد في المجتمع وبيئة العمل، فتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، لا وفق القانون فقط، بل وفق الضمير والالتزام الإنساني أيضًا.
فالقيم هي ما يؤمن به الإنسان ويشعر بأهميته كالصدق، والعدالة، والإنصاف، واحترام الآخرين؛ أما المبادئ فهي القواعد الثابتة التي تحكم السلوك العملي بناءً على تلك القيم، كأن يرفض الموظف الرشوة لأنه يؤمن بالنزاهة، أو أن يرفض التلاعب بالبيانات لأنه يقدر الصدق، أو أن يلتزم بالشفافية في التقييم والإجراءات لأنه يؤمن بالعدالة، أو أن يقدم مصلحة العمل العامة على مصلحته الشخصية لأنه يلتزم بمبدأ المسؤولية.
ولذلك فإن لحظات التعارض بين المصلحة والمبدأ، والمنفعة والضمير، والربح المؤقت والبناء طويل الأمد هي التي تكشف حقيقة الإنسان، وتظهر معدنه؛ فإما أن ينتصر لمصلحته الآنية فيخسر نفسه على المدى البعيد، أو ينتصر لمبدئه وقيمه فيحفظ كرامته وسمعته.
وقد أصبحت الأخلاق اليوم قضيةً إداريةً واستراتيجيةً، لا مجرد قيمة مثالية؛ إذ تشير دراسات السلوك التنظيمي إلى أن المؤسسات التي ترتفع فيها مستويات العدالة والشفافية والثقة الداخلية تكون أكثر قدرة على الاستقرار والاحتفاظ بالكفاءات، وتحقيق الأداء المستدام.
غير أن أخطر ما يهدد هذه المنظومة القيمية ليس ضعف تطبيقها فحسب، بل ذلك الوهم أو السراب الذي يروج له في بيئة الأعمال تحت شعار «الأخلاق بضاعة الضعفاء»، وهي مقولة تكشف ضعف قائلها أكثر مما تكشف حقيقة الأخلاق؛ إذ تفترض أن القوة تكمن في القدرة على تجاوز القيم، وأن التفوق ينال بالتلاعب لا بالاستحقاق، وأن الذكاء يقاس بالتحايل والمكر لا برجاحة العقل ونقاء الوسيلة.
وهنا تتكرر قصة «البطة والثور» في صور متعددة، حيث يفضل البعض الارتفاع السريع على الطريق الصحيح، والمكسب العاجل على الاستحقاق الحقيقي، ولو كان الثمن هشاشة الموقع وقصر البقاء.
ولهذا، نسمع كثيرًا عن مؤسساتٍ عملاقة انهارت لا لقلة كفاءتها، بل لأن الفساد والتلاعب كانا ينخران بنيتها من الداخل مثل «شركة إنرون» التي كانت تقدم نموذجًا للنجاح الإداري قبل أن تسقط بسبب التلاعب المحاسبي وإخفاء الخسائر.
وكم من قياداتٍ لامعةٍ سقطت لا لضعف مهاراتها، بل لانكشاف ممارساتها غير الأخلاقية، حين تبين أن الصورة التي صنعتها لأنفسها كانت أكبر من حقيقتها.
وفي المقابل، فإن النماذج التي استمرت وازدهرت، لم تكن دائمًا الأسرع صعودًا، أو الأكثر حضورًا إعلاميًا، لكنها كانت الأثبت والأطول بقاءً؛ لأنها قامت على أساسٍ أخلاقي متين جعلها قادرة على مواجهة الأزمات وكسب الثقة والاستمرار بثبات.
المشكلة ليست في وجود أشخاص غير أخلاقيين فحسب، بل في البيئة التي تسمح لهم بالتقدم وتهيئ لهم أسباب الصعود، فيبدو صاحب المبدأ أبطأ وصولًا لأنه يتحمل كلفة النزاهة، بينما يختصر غيره الطريق عبر التلاعب أو العلاقات أو استغلال الثغرات، وهنا لا بد أن نفرق بين القدرة على الوصول وشرعية الوصول:
فالقدرة تعني امتلاك الأدوات والمهارات والدهاء الذي يمكن الإنسان من البلوغ للقمة؛ أما الشرعية فتعني: سلامة الطريق الذي يسلكه الإنسان بمعية القيم والمبادئ، بحيث تربط النتيجة بالوسيلة، والقمة بالأساس، لا بالكم والحجم فقط «ماذا حققت» بل «كيف حققت»، وفي إطارٍ من القواعد القائمة على النزاهة والعدالة.
وقد ميزت أدبيات الإدارة الحديثة بين هذين البعدين بوضوح: ففي علم التنظيم يشار إلى مفهوم «الشرعية المؤسسية» بوصفها شرطًا لبقاء أي كيان أو منظمة، وليس فقط نشأتها، كما أوضح عالم الاجتماع «ماكس فيبر» هذه الفكرة حين أشار إلى «أن السلطة قد تقوم على القوة أو الكفاءة، لكنها لا تستقر إلا إذا اكتسبت شرعية في نظر الناس»، وهذا يعني أن القدرة تنتج تأثيرًا، لكن الشرعية وحدها تنتج قبولًا واستمرارًا.
وفي الواقع العملي، تكشف التجارب المؤسسية أن كثيرًا من النجاحات السريعة التي قامت على تجاوز القواعد أو استغلال الثغرات أو ضعف الرقابة، قد انهارت عند أول اختبار للشفافية، أو عند تغير القيادة، أو تغير النظام؛ لأن ما بني بدون شرعية لا يملك قدرة ذاتية على الصمود.
أما في المقابل، فإن النماذج التي التزمت بالعدالة والأمانة والنزاهة، ربما تأخرت في الوصول، لكنها عندما وصلت امتلكت عنصر الثقة والبقاء، ولهذا يقول «وارن بافيت»: «قد يستغرق بناء السمعة 20 سنةً، ويمكن تدميرها في خمس دقائق».
النجاح الزائف لا ينشأ اعتباطًا أو صدفة، بل نتيجة بيئةٍ تختل فيها المعايير وتضطرب فيها الموازين، فتسمح له بالظهور، وتمنحه المكافأة، وتؤخر مساءلته، وهو في حقيقته نجاح ظاهره التماسك وباطنه التصدع، ولذلك فإن فهم أسبابه يكشف طبيعته المؤقتة، ويفسر لماذا يبدو أحيانًا أكثر بريقًا من النجاح الحقيقي.
ومن أبرز أسبابه:
1. تقديم العلاقات على الكفاءة: حين يسود منطق «من تعرف» بدلًا من «ماذا تعرف» تتحول الفرص من استحقاقات تنال بالكفاءة إلى امتيازات تمنح بالعلاقات والقرب من أصحاب القرار، أو بالقدرة على التأثير الشخصي والمجاملات، فيتقدم بعض الأشخاص لا لأنهم الأكفاء، بل لأنهم الأقدر على الوصول إلى مراكز النفوذ، رغم محدودية كفاءتهم الفعلية.
2. حين تصبح الغاية مبررًا للوسيلة: هناك من يتقن فن اختصار الطريق: فيتجاوز الإجراءات، ويستفيد من الثغرات، ويقدم النتائج بسرعة بأي وسيلة ممكنة، بينما غيره يلتزم بالمسار الصحيح خطوة بخطوة، فيبدو الأول أكثر «إنجازًا» لأنه الأسرع في الظهور، رغم أن الثاني قد يكون الأكثر جودة واستحقاقًا.
3. غياب المحاسبة وتضخيم الإنجاز الشكلي: تعاني بعض المؤسسات أو البيئات العملية من ضعف المحاسبة أو تأجيل القرارات مما يعطي انطباعًا بأن السلوك غير الأخلاقي «مجدٍ» ما دام يحقق نتائج سريعة، ومع الوقت تصبح السرعة والانطباع أهم من الجودة والنزاهة، فيبرز من يجيد صناعة الانطباع أكثر ممن يجيد صناعة القيمة الحقيقية، ويكافأ الإنجاز العاجل ولو كان هش الأساس وفاقدًا للشرعية الأخلاقية.
تظهر الدراسات في علم الإدارة والحوكمة أن كثيرًا من الانهيارات المؤسسية الكبرى لم تكن نتيجة ضعف في الموارد أو نقص في الكفاءات، بل نتيجة مباشرة لغياب النزاهة والشفافية؛ فالثقة تمثل رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة، وإذا تآكلت من الداخل، سقطت المنظومة مهما بدت قوية ومتماسكة من الخارج.
فالنجاح الزائف يعتمد على قوة الانطباع أكثر من قوة الأساس والمظاهر المؤقتة، بينما النجاح المستدام يقوم على القيمة والثقة والأخلاق؛ فالأول قد يلمع سريعًا، لكنه هش من الداخل، أما الثاني فقد يتأخر، لكنه أكثر ثباتًا وقدرة على البقاء، وكما قيل: «الزيف يملك القدرة على اللمعان، لكن الحقيقة وحدها تملك القدرة على البقاء».
وأخيرًا: يمكن أن نقول إن النجاح لا يختبر في لحظة الوصول إلى القمة، بل في القدرة على البقاء دون سقوط؛ فكم من قمةٍ بدت ثابتة، وهي في حقيقتها معلقة على الفراغ، وكم من صعودٍ أبهر الناس ثم تبين أنه كان مجرد تأجيلٍ للسقوط، وصدق الله العلي العظيم حين قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43].












