آخر تحديث: 10 / 5 / 2026م - 1:46 م

المقارنة اللاواعية

مصطفى صالح الزير

في زمن أصبحت فيه المقارنة لغة يومية، لم تعد تقتصر على المال أو المظاهر، بل تسللت بهدوء إلى كل تفاصيل الحياة: في التربية، في العلاقات، في النجاح. يعيش الإنسان اليوم وهو يقيس نفسه باستمرار، لا بما هو عليه بل بما يراه عند غيره، وكأن حياته مشروع مقارنة لا مشروع بناء.

تفتح هاتفك، تمر أمامك صور لحياة تبدو مكتملة: بيت أنيق، أسرة مثالية، نجاح متتابع، سفر دائم… فتشعر - دون أن تنتبه - أن ما لديك أقل، وأنك متأخر عن الركب. وهنا تبدأ المقارنة في التمدد داخل النفس، لا كفكرة عابرة، بل كإحساس دائم يسرق الرضا بهدوء.

لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثير: أن المقارنة في أصلها غير عادلة؛ لأن الظروف ليست واحدة، والحالة المادية ليست واحدة، والبيئة ليست واحدة، والحالة الصحية والبدنية والروحية ليست واحدة. هناك من فتحت له الأبواب مبكرًا، ومهدت له الطرق، وسخرت له الفرص في عمله وبيته لحكمة إلهية، وهناك من يبدأ من الصفر، يواجه العوائق، ويتعثر، ويعيد المحاولة من جديد.

فكيف تقارن طريقًا معبدًا بطريق مليء بالتحديات الملهمة؟ وكيف تقيس مسيرة إنسان بما تراه من نتائج نهائية وبعضها مفلتر كما تشاهد في مواقع التواصل الاجتماعي؟

وتخيل الأمر ببساطة أكثر:

كأن شخصًا يريد أن يقارن نفسه بآخر في شكل الثوب، ثم يجبر على ارتداء ثوبه.

ثوب فصل على جسد أطول أو أعرض، بينما هو أقصر أو أنحف.

ثم يقال له: لماذا لا يبدو عليك كما يبدو عليه؟

هنا يظهر الخلل بوضوح: ليست المشكلة في الإنسان، بل في محاولة فرض معيار لا يناسبه أصلًا. وهكذا تفعل المقارنة؛ تلبسك حياة غيرك، ثم تحاسبك عليها.

وقد وضع النبي محمد ﷺ قاعدة عميقة تعيد الاتزان للنفس:

”انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله.“

لأن المشكلة ليست في وجود من هو أفضل؛ بل في زاوية النظر التي تختارها.

والمفارقة أن كثيرًا من الناس يظن أنه لا يقارن، لكن في داخله يقارن بشدة، بل أحيانًا بشكل لا واع ولا إرادي. يدخل مكانًا فيبدأ ذهنه فورًا بالتصنيف: هذا أفضل، هذا أقل، هذا أنجح، هذا أجمل. يرى سيارة فيقارن، وظيفة فيقارن، بيتًا فيقارن، وحتى تفاصيل صغيرة لا تستحق التوقف تتحول إلى معيار يقيس به نفسه. إنها مقارنة صامتة ومستمرة وتصبح عادة لديك.

بل الأخطر من ذلك أن هذه المقارنة تتحول أحيانًا إلى مقارنة انفعالية لا واعية؛

ففي لحظات مفاجئة دون تفكير مسبق، قد يشعر الإنسان بالانقباض أو التوتر أو النقص بمجرد رؤية مشهد معين، أو سماع خبر نجاح، أو حضور مناسبة. لا لأنه قرر المقارنة، بل لأن عقله الانفعالي سبق واعتاد هذا النمط. وهنا تصبح المقارنة ليست فكرة، بل ردة فعل داخلية تلقائية فانتبه أيها القارئ المبارك.

تبلغ المقارنة ذروتها حين تدخل إلى ساحة التربية.

حين يقارن الأب ابنه بغيره، أو تقارن الأم ابنتها بصديقتها، فإن الرسالة التي تصل للطفل ليست تحفيزًا، بل جرحًا ناعمًا ويفهمه الطفل سريعًا: ”أنا غير جيد أو أنا ناقص أو فلان أفضل مني“.

وهكذا، بدلًا من أن نبني ثقة الطفل بنفسه، نزرع داخله شعور النقص والاضطراب منذ نعومة أظفاره ويكبر هذا الأمر معه تدريجيًا لا هو صار نفسه ولا هو أصبح مثل من قارنته به.

مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير: لكل طفل طريقة مختلفة، استيعاب مختلف، وتركيبة مختلفة ولا يقاس إلا بنفسه.

ثم تأتي المقارنات الأكثر خداعًا مقارنات المظاهر؛ في الشكل، في الملابس، في الأثاث، في نمط الحياة.

بل إن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت بابًا واسعًا للمقارنة، حيث لم يعد الناس يعرضون حياتهم كما هي، بل كما يريدون أن ترى. مشاهد منتقاة، لحظات مجملة، تفاصيل خاصة تعرض وكأنها الحقيقة الكاملة.

فيقارن الإنسان واقعه الحقيقي بصورة مفلترة لا تمثل إلا جزءًا صغيرًا من واقع غيره.

ومع هذا كله، تبقى هناك مقارنة واحدة عادلة بل مطلوبة.

وهي أن يقف الإنسان مع نفسه، كما دعت إليه روايات أهل البيت ، فيحاسبها، ويقارن بين طاعاته ومعاصيه، ويتأمل عيوبه ليصلحها. وينظر إلى سلوك عباد الله الصالحين حتى يقتدي بهم، هذه المقارنة لا تتعب النفس، بل تنضجها، لأنها مقارنة داخلية، هدفها البناء لا الإحباط.

وقد ورد عن الإمام علي : من أطلق ناظره أتعب حاضره، من تتابعت لحظاته دامت حسراته»؛ أي أن من أطلق نظره في الخارج بلا ضبط، أتعب قلبه في الداخل بلا وعي.

وقوله تعالى:

﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى [طه: 131]؛ المعنى: لا تطل النظر إلى زينة الحياة الدنيا وبهجتها التي متعنا بها أصنافًا أو أزواجًا معدودة منهم لنمتحنهم فيما متعناهم به، والذي سيرزقك ربك في الآخرة خير وأبقى.

ولكي يتحرر الإنسان من هذا الفخ، فهو لا يحتاج إلى الانعزال عن العالم، بل إلى وعي مختلف في التعامل معه. أن يغير زاوية نظره حين يرى غيره، فيتذكر أن ما يراه ليس القصة كاملة. أن يغلق الباب أمام المقارنات التي تستنزف روحه، وأن يفتح باب التعلم بدل التنافس الوهمي. أن يقارن أبناءه بأنفسهم لا بغيرهم، وأن يقيس تقدمه بما كان عليه لا بما وصل إليه الآخرون. والأهم من ذلك كله، أن يدرب قلبه على الامتنان، لأن النعم التي لا ترى تنسى، ويزيدها الشكر بقاء وبركة كما في قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [إبراهيم: 7].

وفي النهاية، لن تهدأ نفسك حين تصل إلى ما عند غيرك؛ بل حين ”تدرك قيمة ما عندك“.

ولن تتوقف المقارنة من حولك لكن يمكنك أن توقفها داخلك.

وحين تفعل، ستكتشف أن طريقك - بكل ما فيه من بطء أو عوائق - ليس طريقًا ناقصًا، بل طريق كتب لك بعناية، يحمل في داخله خيرك الخاص حتى وإن لم يشبه طرق الآخرين. فتح الله لكم أبواب الخير والبركات، والحمد لله رب العالمين.