الشعر بين القول والفعل
الشعر هو لغة الروح والوجدان والجسد، وكلما كان أقرب إلى المشاعر والأحاسيس، فاضت أوتاره دفئًا وحنانًا وحبًا وقربًا إلى متلقيه وتفاعلت وتحركت الذات الشعورية بداخله، فتخلق نشوة تنطلق منها روائح المسك والعنبر، فتتلاقح بعضها بعضًا لتغرس واقعًا كيميائيًا في النفس البشرية؛ لتزيل كل المنغصات الدنيوية وترميها جانبًا، فرب قصيدة عصماء تكون حافزًا في تغيير موازين وأنماط من مفاهيم الحياة، وتطرد اليأس والبؤس وتخلق الأمل والرجاء وتدفع بسامعها إلى تغيير واقعه من الصدود والهجران والقطيعة إلى الانفتاح على شواطئ سويداء القلوب.
هكذا هو الشعر النابع من صميم القلب إلى المتلقي؛ ليتلقفه ويتعاطى معه بكل أريحية وقبول، ولكن لا ننسى في نفس الوقت أن الشعر سلاح ذو حدين متضادين، إذا خرج عن جادة الصواب، فقد يرفع وضيعًا ويسقط رفيعًا، وهذا يعتمد على الشاعر وأمانته الشعرية في وضع النقاط على الحروف في موقعها الصحيح، فهو يستطيع أن يجمع ويفرق بشعره، فالشاعر يحتاج إلى برمجة وصياغة دقيقة تفيض دفئًا وحنانًا وحبًا وقربًا وصدقًا وأمانةً إلى سامعيه؛ لتنقاد النفوس ولتزيح كل الهموم الصدئة، وتعمل على تقارب الأفئدة، فرب بيت جميل من قصيدة يزرع آمالًا عريضةً بعد خيبة أمل، تكون خارطة طريق في أساليب الحياة، وتدفع بسامعها إلى رفع حالة من الصدود بين العاشق والمعشوق، من الهجران والقطيعة إلى الانفتاح قولًا وفعلًا، فيتبادلان عبارات الوله والغزل، وهي مفتاح القلوب التي تعبر عن الحب والعشق والشغف.
ومن أجمل كلام قيل في ذلك ما قاله بعض الشعراء في معشوقته: «أحبك حبًا لو زرع على الأرض لأنهى الحروب.. أنت أجمل نساء الأرض، وفي عينيك أجد وطني وسلامي».
هي كلمات تصف الشوق والجمال، وتعمق الروابط العاطفية بين المحبين؛ لتجعل اللحظات أكثر رومانسية.
هكذا هو الشعر النابع من صميم القلب إلى المتلقي؛ ليتعاطى معه بكل أريحية وقبول، إذا كان واقعًا ولم يَشُبْهُ أي تدليس وتلفيق لحاجة في نفس يعقوب قضاها.
وفي هذا السياق لا ننسى كذلك أن الشعر سلاح ذو حدين، فهو يستطيع أن يجمع ويفرق بشعره، فالشاعر يحتاج إلى موازين دقيقة ومعقولة في توصيف ما يريد توصيفه، كي يكون في محل ينال فيه ثقة الجميع، مبتعدًا عن لغة الابتذال والإسفاف والمغالاة فيمن يريد وصفهم، حتى يكون مقبولًا وبعيدًا عما أشار له القرآن الكريم وبينه في وصف بعض هؤلاء الشعراء الخارجين عن الجادة، وأنهم سبب التيه والغواية لمن تابعهم، حيث قال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: 224]. وهذه فئة قليلة ومستهجنة، وعلى العكس من كل ذلك، أولئك الشعراء الذين وصفوا بأنهم صدى عواطف الأمة وحراس لغتها وعرابو الحكمة، وهؤلاء وأمثالهم ممن أشاد بهم ومدحهم رسولنا الكريم محمد ﷺ في حديث له قال فيه: «إن من البيان لسحرًا، ومن العلم جهلًا، ومن الشعر حُكمًا، ومن القول عدلًا».
وخاتمة القول: يبدأ الشعر بالبهجة، وينتهي بالحكمة، إذا سار وفق النهج المرسوم له أخلاقًا وشرعًا وأدبًا.. والله الموفق.












