آخر تحديث: 10 / 5 / 2026م - 1:46 م

عقودُ العُمر… حين تتكلّم الحياة

الدكتور ماهر آل سيف *

لو جلستُ إلى عمري كما يجلس المرء إلى صديقٍ قديم، وسألته: ماذا صنعتَ بي؟ وماذا صنعتُ بك؟ لوجدتُ أن الحياة ليست سنواتٍ تُعدّ، بل عقودٌ تُروى؛ بعضها كان مدرسة، وبعضها كان امتحانًا، وبعضها كان هديةً مؤجلة من الله.

في العقد الأول، من سنةٍ إلى عشر، كنتُ طفلًا يفتح عينيه على الدنيا كما تُفتح النوافذ على الصباح. كانت الحياة يومها حضن أم، وظل أب، وضحكة إخوة، ولعبةً صغيرة تُشبه الكون كله. لم أكن أعرف من الدنيا إلا دفءَ البيت، ولا من الخوف إلا أن تغيب يدٌ حانية عن رأسي. كانت الطفولة حديقةً لا تسأل عن الغد، ولا تحمل من الأمس إلا رائحة الحنان.

ومن الحادية عشرة إلى العشرين، بدأتُ أخرج من ظل الطفولة إلى أسئلة العمر الأولى. هناك بدأت النفس تُفتّش عن ذاتها، وبدأ الهوى يطرق الباب، وبدأت الأحلام تكبر قبل أن أعرف ثمنها. كانت سنوات التعلّم والتشكّل، سنوات الرفاق، والخيارات الأولى، والدهشة الأولى، وربما العثرة الأولى. وفيها تعلّمت أن الإنسان لا يكبر بطول قامته، بل باتساع قلبه ونضج عقله.

ومن الحادية والعشرين إلى الثلاثين، صقلتني الحياة كما يُصقل الذهب بالنار. في الثالثة والعشرين لم يعد العمر لي وحدي؛ فقد دخلتُ ميثاق الزواج، ودخلت معه آية السكن والمودة والرحمة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . ثم جاءت فرحتي الأولى في الخامسة والعشرين، حين رزقني الله بابني الأول، فإذا بالأبوة تفتح في قلبي بابًا جديدًا من الخوف الجميل، والحب الكبير، والمسؤولية التي لا تشبهها مسؤولية. عندها عرفت أن الرجل لا يكبر حين يزيد عمره، بل حين يبدأ قلبه يحمل قلوبًا أخرى.

ومن الحادية والثلاثين إلى الأربعين، بدأت الخبرة تتكوّن لا من الكتب وحدها، بل من وجوه الناس، ومن صمت المواقف، ومن القرارات التي لا يراها أحد. كبرت الأسرة، وكبرت معها المسؤولية، وصارت الحياة ميزانًا دقيقًا بين العمل والبيت والمجتمع. في هذا العقد فهمت أن النجاح ليس في أن تمضي سريعًا، بل أن تمضي ثابتًا، وأن تجعل من بيتك مأوى، ومن عملك رسالة، ومن علاقاتك أثرًا طيبًا.

ومن الحادية والأربعين إلى الخمسين، دخلتُ عقد الرسوخ. هنا لم تعد التجربة مجرد معرفة، بل صارت بصيرة. بدأت أرى نتائج ما زرعته في الأبناء، وفي العمل، وفي المجتمع. لم تكن الحياة خالية من القلق، لكن القلق صار أعقل، والخوف من المستقبل صار تخطيطًا لا ارتباكًا. في هذا العمر يتعلم الإنسان أن المال وسيلة، والعمل مرحلة، والمكانة امتحان، وأن أثمن ما يملكه المرء أسرةٌ تلتف حوله، وزوجةٌ تسنده، وأبناءٌ يكبرون أمام عينيه على المحبة والبر والإيمان.

ومن الخمسين إلى الستين، بدأت أيام الحكمة. لم تعد السرعة كما كانت، لكن البصيرة صارت أوضح. لم أعد أريد أن أكسب كل جدال، بل أن أحفظ كل قلب. لم أعد أفتش عن التصفيق، بل عن الأثر. في هذه المرحلة يعرف الإنسان أن بعض الانتصارات خسارة، وأن بعض الصمت حكمة، وأن أجمل ما يتركه المرء ليس ما جمعه في يده، بل ما زرعه في نفوس من حوله. وهنا يحضر قول الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ؛ فأفهم أن ما كان من أبي وأمي في أول الطريق، صار دينًا من الحب لا ينقضي، وذاكرةً من البر لا تموت.

لقد كان أبي وأمي وإخوتي سندًا لا يُقاس بالكلمات؛ كانوا خلف ظهري حين أظن أن ظهري وحده يحملني. ثم جاءت الزوجة، فإذا بالسند يزداد سكنًا ورحمة، وإذا بالبيت يتحوّل من مكانٍ نعود إليه، إلى معنى نعيش لأجله. ثم كبر الأولاد، وبدأت الراحة تدخل القلب من بابٍ واسع؛ لأنني رأيت فيهم ثمرة التعب، وامتداد العمر، ودليل التربية. ربيتهم على المحبة والبر والطاعة والإيمان، فإذا بهم يردّون الجميل طمأنينةً في القلب، وبهجةً في المجلس، ودعاءً يمشي بعدنا.

أما ما بعد الستين، فهو ليس نهاية الطريق، بل أجمل مقاعد التأمل. بعد التقاعد يخفّ ضجيج الوظيفة، ويعلو صوت الروح. هنا يعود الإنسان إلى نفسه، لا هاربًا من الناس، بل أكثر فهمًا لهم. يقلّ الركض، لكن يزداد المعنى؛ تخفّ المواعيد، لكن تكبر قيمة اللحظة؛ وتصبح الأيام أقرب إلى الصفاء، وأبعد عن الزحام.

وهنا يأتي الأحفاد كأنهم رسالة من الله تقول: إن ما زرعته بالأمس عاد إليك ضحكةً تمشي على قدمين. الأحفاد سعادة لا توصف؛ هم أنس الوقت، وبهجة المجلس، وسكر الحياة الحلال. قد تبقى بعض صعوبات الأيام، لكنهم يجعلون مرارتها حلوة، وثقلها خفيفًا، ووحشتها أنسًا. معهم يعود القلب طفلًا، وتعود الدار عيدًا، وتصبح الدقائق الصغيرة ذكرياتٍ كبيرة. ولعل أجمل ما فيهم أنهم لا يسألونك ماذا أنجزت، بل يكتفون بأن يرموا أنفسهم في حضنك، فتشعر أنك أنجزت عمرًا كاملًا.

تلك هي حياتي: بين نفسٍ كانت تتعلّم، وهوى كان يُهذّب، وعملٍ كان يُربي، وأسرةٍ كانت تسند، ومجتمعٍ كان يوسّع معنى الوجود. عمرٌ مضى بين خوفٍ ورجاء، وتعبٍ ورضا، وانكسارٍ وجبر، حتى فهمت أن الحياة ليست أن تخلو من الصعوبات، بل أن يرزقك الله من يجعل الصعوبات قابلةً للاحتمال، ومن يحوّل التعب إلى معنى، والقلق إلى دعاء، والسنين إلى حكمة.

فيا عقود عمري، شكرًا لما أخذتِ، وشكرًا لما أعطيتِ.

شكرًا للطفولة حين علّمتني البراءة، وللشباب حين علّمني الطموح، وللمسؤولية حين علّمتني الصبر، وللأسرة حين علّمتني السكن، وللأحفاد حين أعادوا إلى قلبي ربيعًا لا يذبل.

تلك هي حياتي… فكيف هي حياتك؟