آخر تحديث: 10 / 5 / 2026م - 1:46 م

من عبق الماضي: ”الحمار“ في حياة أهل القطيف

حسن محمد آل ناصر *

حين كانت القطيف تعيش على مهل، وتتنفس من رائحة البحر والنخيل والطين، كانت تفاصيل الحياة تبنى على البساطة والتعاون والصبر، ولم تكن الأزقة الضيقة تعرف ضجيج المركبات ولا كانت المزارع والسواحل تستند إلى الآلات الحديثة، بل اعتمد الناس على ما توفره البيئة من وسائل تعينهم على مشقة الحياة؛ فكانت العلاقة بين الإنسان وما حوله علاقة ألفة ومشاركة يومية لا تنفصل عن تفاصيل العيش.

وفي قلب تلك الحياة القديمة، احتل الحمار مكانة خاصة في المجتمع القطيفي، حتى أصبح واحدًا من المشاهد المألوفة التي لا تكاد تخلو منها قرية أو مزرعة أو سوق، والحمار لم يكن مجرد دابة تستخدم لقضاء الحاجات، بل كان عونًا دائمًا لأهل القطيف في تنقلاتهم وأعمالهم، ورفيقًا حاضرًا في مشاهد الكدح اليومي التي صنعت ملامح الزمن القديم.

كان الفلاح يرافق حماره منذ ساعات الصباح الأولى إلى المزارع، فينقل عليه أدوات الزراعة والمحاصيل ويستعين به في جر وسائل السقي التقليدية، بينما كانت طرق البساتين الممتدة بين عيون الماء والنخيل تحفظ وقع خطواته جيلًا بعد جيل، وعلى السواحل، استعان به الصيادون في حمل الأسماك والشباك من المرافئ الصغيرة إلى الأسواق الشعبية، فيما اعتمد عليه الباعة المتجولون في التنقل بين الأحياء وهم يحملون بضائعهم البسيطة التي كانت تصل إلى الناس عبر تلك الطرق الرملية القديمة.

ولم يقتصر حضوره على المزارع والأسواق فقط، بل دخل في أعمال البناء أيضًا، فكان ينقل الحجارة والجص والأخشاب المستخدمة في تشييد البيوت الطينية القديمة وتلك البيوت التي ما زالت ذاكرتها عالقة في وجدان أهل القطيف بما تحمله من دفء العائلة وروح الجيرة، وكان أصحاب الحرف يهتمون به عناية كبيرة، فصنعت له الأدوات الخاصة التي تخفف عنه مشقة الحمل مثل الأغطية المصنوعة من الليف وسعف النخيل وظهرت خبرات شعبية في تربيته ومعرفة صحته وقدرته على العمل.

وقد انعكس هذا الحضور الواسع للحمار على الموروث الشعبي في القطيف، فتكرر ذكره في الأحاديث والأمثال والحكايات المتداولة بين الناس، فمرةً يضرب به المثل في الصبر والتحمل ومرةً يذكر في النوادر والمواقف الطريفة التي كانت تضفي على المجالس شيئًا من البهجة والعفوية، وارتبط ببعض المعتقدات الشعبية والعلاجات القديمة التي كانت جزءًا من ثقافة المجتمع البسيطة آنذاك.

ومع تطور الحياة ودخول وسائل النقل الحديثة، بدأ حضور الحمار يتراجع تدريجيًا من المشهد اليومي، حتى أصبح ظهوره نادرًا بعد أن كان جزءًا ثابتًا من تفاصيل المكان، غير أن غيابه لم يمح أثره من الذاكرة؛ فما زال كبار السن يستعيدون صورته بوصفه شاهدًا على زمن امتلأ بالتعب الجميل وعلى مرحلة عاش فيها الإنسان قريبًا من أرضه ومزرعته وجيرانه ويكتفي بالقليل لكنه يشعر بالكثير.

ظل الحمار في ذاكرة أهل القطيف صورة من زمن دافئ تتكئ عليه الذكريات كلما مر الحديث عن الأيام القديمة، لتؤكد الكلمات العابرة أنه ليس مجرد وسيلة تمضي في الطرقات الرملية، بل رفيق تعب وملامح حياة عاشت تفاصيلها بين النخيل والسواحل والأزقة الهادئة، ورغم غيابه بقي أثره حاضرًا في وجدان الناس، يحمل معه حنينًا إلى زمن كانت فيه البساطة أجمل وكانت الأشياء الصغيرة تصنع في القلوب عمرًا كاملًا من الألفة والمحبة.