آخر تحديث: 10 / 5 / 2026م - 1:46 م

المراهقة ليست انفلاتًا

محمد يوسف آل مال الله *

تُعدّ مرحلة المراهقة من أكثر المراحل العمرية حساسيةً في حياة الإنسان، وغالبًا ما تُختزل في الخطاب الاجتماعي على أنّها مرحلة ”شقاوة“ و”تمرّد“ و”انفلات“. غير أنّ هذا التصوّر، رغم شيوعه، لا يعكس الحقيقة التربوية والنفسية لهذه المرحلة، التي تمثل في جوهرها فترة تشكّل الهوية وبناء الوعي وتحديد الاتجاهات المستقبلية.

الوعي هنا ليس مجرد توجيهات عابرة، بل هو منظومة فكرية وأخلاقية تُزرع في عقل المراهق فتجعله يرى ذاته كقيمة ومسؤولية، لا كحالة مؤقتة من الفوضى. وعندما يُبنى هذا الوعي بشكل صحيح، يتحوّل المراهق إلى شاب متوازن، قادر على اتخاذ قراراته بوعي واحترام، ومؤهل لأن يكون عنصرًا فاعلًا في مجتمعه.

ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى من خلال نماذج شبابية خالدة، أبرزها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى [الكهف: 13]، حيث يقدّم لنا القرآن الكريم صورة مشرقة لشباب آمنوا فارتفعوا بالوعي والإيمان إلى مستوى القدوة، رغم صغر سنّهم. وهذا يدل على أنّ العمر ليس عائقًا أمام النضج، بل إنّ الوعي هو العامل الحاسم.

كما يرسّخ القرآن الكريم مبدأ المسؤولية الفردية في قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ [الصافات: 24]، وهو مبدأ يُسهم في بناء الضمير الحي لدى المراهق، ويجعله أكثر وعيًا بنتائج أفعاله واختياراته.

وفي روايات أهل البيت ، نجد اهتمامًا عميقًا بهذه المرحلة، حيث يُروى عن أمير المؤمنين الإمام علي قوله: ”إنما قلب الحدث كالأرض الخالية، ما أُلقي فيها من شيء قبلته“، وهي إشارة بليغة إلى أنّ المراهق في هذه المرحلة قابل للتشكّل السريع، وأنّ ما يُزرع فيه اليوم سيصبح جزءًا من شخصيته غدًا.

كما يؤكد الإمام الصادق أهمية التوجيه المبكر للشباب، بما يعكس ضرورة استباق المؤثرات السلبية بتربية واعية تحفظ لهم توازنهم الفكري والسلوكي، فيقول بما معناه: ”بادروا أحداثكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة“.

إنّ المشكلة ليست في المراهقة ذاتها، بل في طريقة التعامل معها. فحين يُنظر إلى المراهق كـ”مشروع إنسان“ لا كـ”مشكلة“، يتحوّل الخطاب من القمع إلى البناء، ومن التوبيخ إلى التوجيه، ومن الخوف إلى الاستثمار.

وفي النهاية، يبقى الوعي هو المفتاح الحقيقي لتحويل هذه المرحلة من عبء اجتماعي متصوّر، إلى رافعة لصناعة جيلٍ قوي، محترم، ومؤثر في مجتمعه.