الجيل الصاعد
مع انتقال تريليونات الدولارات من ثروات العائلات ومسؤولياتها عالميًّا خلال العقدين القادمين، تقترب المؤسسات العائلية، بما فيها الشركات العاملة والمكاتب العائلية والمؤسسات الخيرية العائلية، من نقطة تحول حاسمة. ويقف في قلب هذا التحول الجيل الصاعد، الورثة المهيؤون ليس فقط لوراثة رأس المال والسيطرة، بل أيضًا مسؤولية الحفاظ على إرث العائلة. لا يقتصر هذا التحول على الجانب المالي فحسب، بل يشمل استمرارية الأعمال، وتماسك الأسرة، ورأس المال الاجتماعي، والحفاظ على القيم. فبينما أمضى العديد من أبناء الجيل الصاعد سنوات يشاهدون أجدادهم يقودون ببراعة ريادية أو انضباط مبدئي، يُطلب منهم الآن تولي أدوار تتطلب أكثر من مجرد الميراث؛ إنها تتطلب إدارة حكيمة. وبصفتهم أوصياء على رأس المال والقيم والتأثير المجتمعي، يتحمل الجيل الصاعد مسؤولية تتجاوز حدود الأسرة؛ فالمجتمع يعتمد على قيادتهم. إن مستقبل المؤسسات العائلية وتأثيرها على المجتمعات ورأس المال والثقافة، يتوقف على مدى استعداد الجيل الصاعد، وتهيئته، وقيادته في نهاية المطاف. لا يكمن التحدي أمامهم في استنساخ الماضي، بل في إدارته من خلال الموازنة بين احترام الإرث والسعي للتجديد، واكتساب المصداقية، وفهم الجوانب العاطفية التي تشكل نجاح الأجيال المتعاقبة.
حجم ومخاطر الانتقال: وفقًا لتقرير سيرولي لعام 2025، من المتوقع أن ينتقل ما يقارب 124 تريليون دولار من الثروة بين الأجيال عالميًّا بحلول عام 2048. وستكون الشركات العائلية التي يُقدّر أنها تساهم بأكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في صميم هذا التحول الجيلي. إلا أن الإحصاءات مقلقة؛ فبحسب الدراسات، لا تتجاوز نسبة الشركات العائلية التي تستمر إلى الجيل الثاني 30%، و 12% إلى الجيل الثالث، و 3% فقط إلى الجيل الرابع. وبينما تؤثر عوامل خارجية كاضطرابات السوق، فإن الأسباب الرئيسية للفشل داخلية: سوء التخطيط للخلافة، ونقص الاستعداد، والنزاعات العائلية غير المحلة. هذا يعني أن مستقبل الشركات العائلية لا يعتمد فقط على رؤية المؤسسين، بل على مدى استعداد الجيل الصاعد لتطوير تلك الرؤية مع الحفاظ على وحدة العائلة. ما معنى الإدارة الرشيدة اليوم؟ لطالما ارتبطت الإدارة الرشيدة بالوصاية: الحفاظ على اسم العائلة، واستدامة الثروة، وضمان استمراريتها. ولكن في عالم سريع التغير، لا بد من إعادة تعريف الإدارة الرشيدة. بالنسبة للجيل الصاعد، الإدارة الرشيدة هي قيادة فعّالة، تجمع بين الفطنة التجارية، والذكاء العاطفي، والابتكار الهادف.
وكما قال أحد قادة الجيل الثاني: ”أن تكون مسؤولًا يعني أن تربط الماضي بالمستقبل، لا مجرد وراثة الراية، بل إعادة تصور المسار“. ومع تطور مفهوم المسؤولية، من المهم أيضًا إدراك أن الأجيال الصاعدة لن تؤدي جميعها الدور نفسه. ليس كل فرد من الجيل الصاعد يرغب في العمل في الشركة العائلية، وهذا أمر طبيعي. لا تعني المسؤولية بالضرورة الإدارة «المالك - المشغل». بل تعني الظهور كمالك مستثمر مسؤول من خلال الاطلاع، وطرح أسئلة مدروسة، والمساهمة في توجيه رؤية العائلة. سواء أكان ذلك بشكل يومي أو عن بعد، لكل فرد من الجيل الصاعد دور في الحفاظ على إرث العائلة. ما يمكن للعائلات فعله الآن: إذا أرادت العائلات تمكين جيلها الصاعد من قيادة شؤونها، فإليكم ثلاثة إجراءات يمكنها اتخاذها:
البدء مبكرًا: إشراك الجيل الصاعد قبل الحاجة إلى انتقال رسمي للسلطة. فالتأجيل في المراحل المتأخرة قد يؤدي إلى مقاومة، لا إلى الاستعداد.
الاستثمار في مسارات التعلم: دعم التعليم والتوجيه وتبادل الخبرات. يمكن للفعاليات متعددة الأجيال أو المشاريع متعددة التخصصات بناء الثقة والكفاءة.
تهيئة بيئات آمنة: إتاحة الفرصة للجيل الصاعد للتعبير عن أفكارهم ومخاوفهم وتطلعاتهم دون خوف. وهذا أمر بالغ الأهمية، خاصة في الثقافات التقليدية حيث قد يعيق التبجيل الابتكار.
لحظة من المخاطرة والتجديد: يعد نقل الثروة عالميًّا إلى الجيل الصاعد حدثًا تاريخيًّا من حيث النطاق، ولكنه أيضًا لحظة ضعف. فإذا تم تهميش الجيل الصاعد أو التقليل من شأنه أو عدم استعداده، فإن العائلات تخاطر ليس فقط بفقدان الثروة، بل أيضًا بفقدان التماسك والهدف والأهمية. لكن إذا منحوا الصلاحيات اللازمة للقيادة كأوصياء، بكفاءة ووضوح وعناية، فإن الشركات العائلية ستزدهر لأجيال. الجيل الصاعد ليس مجرد ورثة، بل هم بناة، وروابط، وفي كثير من الأحيان مؤسسون جدد. ستحدد قيادتهم ما إذا كانت الشركات العائلية ستبقى مجرد آثار من الماضي، أم محركات للمستقبل. الرسالة لهم بسيطة: حافظوا على البساطة وانطلقوا.
ففي كل بيت وعائلة، هناك على أقل تقدير جيل صاعد، وفي الصورة أدناه يجمعنا مع جيل صاعد محب للبناء والمستقبل. جميعنا معهم. الوالد العزيز المهندس محمد بن عبدالله آل شهاب ”حفظه الله“، وزوج أختي الأستاذ محمود بن شاكر المطوع، وضيفنا الكبير ليس مجرد جيل صاعد: الأستاذ علي بن محمود المطوع، الذي يملك موهبة وعشق لكرة القدم. نسأل الله العلي القدير أن نراه في المحافل العالمية مشاركًا مع أشهر اللاعبين. ويوفق جميع أجيالنا الصاعدة للخير والعطاء، نعم العالم بجميع مساراته وأطيافه يعتمد على قيادتهم.













