آخر تحديث: 11 / 5 / 2026م - 1:52 م

بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

سراج علي أبو السعود *

يمرّ أغلب الناس بأحداث منغّصة، فيشعرون بحاجة دائمة إلى أن يشكوا شيئًا مما يثقل صدورهم لمن حولهم، لعلهم يسمعون كلمةً تخفف شيئًا من آلامهم وأحزانهم. ولا شك أن ذلك أمر مفهوم وطبيعي. غير أنني أظن أن هناك مرضًا مستفحلًا لدى كثيرين وما أبرئ منه نفسي تمامًا وهو مرض الشكوى المستمرة؛ تلك التي تعشق في كل أحاديثها استحضار ذلك السيل الكبير والمتواصل من الهموم والغموم. وعلى الرغم من أن الحياة مليئة بالأفراح والمواقف الجميلة والطريفة، فإن نسبةً من الناس لا تكاد تسمع منهم شيئًا من ذلك، حتى ليخيّل إليك أن حياتهم ليست إلا حزنًا متصلًا، وألمًا لا ينتهي، وبؤسًا لا يعرف الانقضاء.

يرى علماء النفس أن الإنسان كثير الشكوى يسهم، من حيث لا يشعر، في ترسيخ ما يُعرف بـ ”التحيز السلبي“، وهو ميل النفس إلى منح الأحزان والهموم وزنًا يفوق بكثير ما تمنحه للأفراح والمسرّات. ومع مرور الوقت يتطور هذا الميل إلى ما يسمى بـ ”الاجترار النفسي“، حيث يعيد الإنسان استحضار آلامه وترديدها بصورة متكررة من غير أن يتجه إلى التفكير في حلول عملية لها. وهكذا تتحول الشكوى من وسيلة عابرة للتنفيس إلى طبع راسخ يصعب الانفكاك عنه. ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا النمط لا يقتصر على سرد الأحزان، بل يمتد أحيانًا إلى إعادة تفسير الأفراح نفسها بلغة يغلب عليها الأسى، حتى يبدو وكأن النفس قد اعتادت النظر إلى كل شيء من خلال عدسة قاتمة لا تكاد ترى غير مواطن النقص والمعاناة. أما من الناحية الأخلاقية، فلا يُطلب من الإنسان أن يكبت مشاعره أو يمتنع عن مصارحة المقرّبين بما يعتمل في صدره من هموم وآلام، فإن البوح المعتدل حاجة إنسانية مشروعة، بل قد يكون وسيلة للتخفيف واستعادة التوازن. غير أن الأخلاق الرفيعة تدعو الإنسان إلى أن يكون منصفًا لنفسه، متوازنًا في نظرته إلى حياته، فلا يسمح للأحزان أن تطغى على وعيه حتى تحجب عنه ما أودع الله في أيامه من نعم كثيرة ولحظات مضيئة تستحق أن تُرى وتُذكر وتُشكر.

من اللافت أن الأشخاص الذين يعتادون الامتنان والتحدث عن الجوانب المشرقة في حياتهم يتمتعون بقدر أعلى من الرضا النفسي، وصفاء الذهن، والقدرة على تجاوز الأزمات. ذلك لأن النفس، شأنها شأن الأرض، إذا سُقيت بمعاني الشكر والرجاء أنبتت اطمئنانًا وأملًا، وإذا تُركت نهبًا للشكوى المتواصلة أثقلت صاحبها وأرهقت من حوله. ولعل أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان هو أن يكون صادقًا مع آلامه دون أن يكون أسيرًا لها، وأن يعترف بما ينقصه دون أن ينسى ما أُعطي، وأن يجعل لسانه شاهدًا على فضل الله كما كان قلبه شاهدًا على ما مرّ به من محن. فالحياة ليست خالية من الأحزان، لكنها أيضًا ليست فقيرة إلى هذا الحد الذي يجعلنا نغفل عن كل ما فيها من عطايا. ومن أدب العبودية، ومن تمام الإنصاف للنفس، أن نتعلم كيف نروي نعم الله علينا بقدر ما نروي ما أصابنا، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ .