آخر تحديث: 12 / 5 / 2026م - 2:12 م

مبادرة سكناهم

الدكتور ماهر آل سيف *

ليست المأساة دائمًا في البعد؛ فقد يسكن الوجع على بُعد أمتار من بيوتنا، وتنام الحاجة خلف جدارٍ قريب من جدارنا، ونمضي نحن في سعةٍ من العيش، بينما هناك أسرةٌ متعففة، أو أيتامٌ جار عليهم الزمن، ينظرون إلى سقفٍ متعب، وجدارٍ متشقق، وأثاثٍ أنهكته الأيام، فلا يجدون في البيت مأوى كاملًا، ولا في القلب أملًا كافيًا.

وليس الحديث هنا عن تصوير النعم، ولا عن محاكمة الناس في أفراحهم وبيوتهم؛ فالنعم تُشكر ولا تُنكر. لكن شيئًا من الرحمة يقول لنا: لا تجعلوا البذخ يجرح من لا يملك، ولا تجعلوا الصورة أعلى من الشعور. فهناك من يرى البيوت الفاخرة في وسائل التواصل، ثم يعود بعينه إلى بيته المتواضع، فينطفئ داخله سؤالٌ موجع: هل يمكن أن أعيش يومًا في بيتٍ يليق بكرامتي؟

والسكن ليس جدرانًا فقط؛ السكن ستر، وطمأنينة، وهيبة إنسان أمام نفسه وضيوفه وأبنائه. ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ، فالبيت في المعنى القرآني ليس مكان نوم، بل موضع سكينة. وحين يتهدم البيت في عين الفقير، قد يتهدم معه شيء من روحه، لا فقرًا في الإيمان، ولكن ثقلًا في الحياة.

ومن هنا تولد فكرة «سكناهم»: مبادرة أهلية رفيقة، هادئة، لا تجرح المحتاج، ولا تستعرض المتبرع، ولا تزاحم الدولة أو الجمعيات، بل تساندها في باب من أبواب الخير. فالدولة لها دورها، والجمعيات لها رسالتها، لكن باب الصدقة لا يُغلق لأن جهةً رسمية تعمل؛ فالخير أوسع من مؤسسة، والرحمة أكبر من إجراء، والأجر لا ينتظر إعلانًا.

قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ، وقال سبحانه: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى? تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وفي الحديث الشريف: «من نفّس عن مؤمن كربةً من كرب الدنيا، نفّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة». وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله: «أفضل الجود إيصال الحقوق إلى أهلها»، وليس أعظم في الجود من أن تصل الكرامة إلى بيتٍ فقد بعض ملامحها.

فكرة «سكناهم» بسيطة وعميقة: مجلس أو ديوانية تضم عشرين شخصًا من المقتدرين، يساهم كل واحد منهم بخمسة آلاف ريال سنويًا، فيجتمع مئة ألف ريال، تُوجَّه لترميم بيت أسرة فقيرة متعففة أو أيتام محتاجين. لا يُبعثر المبلغ على مساعدات صغيرة تذوب سريعًا، بل يُصرف على بيت واحد: إصلاح الجدران، الأرضيات، الأصباغ، الكهرباء، السباكة، المطبخ، الأجهزة الأساسية، الأثاث الضروري، وما يحفظ السكن من الداخل والخارج.

لكن لأن الخير في بلادنا منظم، ولأن النية الطيبة لا تغني عن سلامة الإجراء، فمن المهم أن تكون المبادرة حساسة للنظام، بعيدة عن جمع التبرعات العلني، أو الإعلان المفتوح، أو استقبال الأموال من عامة الناس دون ترخيص. فقد صدر في المملكة نظام جمع التبرعات لتنظيم هذا الباب وحوكمته، ويتضمن تحديد الجهات المرخص لها، وضوابط الحملات، والدعوة إلى جمع التبرعات، وصرفها فيما جُمعت لأجله. كما يتيح المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي خدمات إصدار ترخيص أو تصريح جمع التبرعات عبر إجراءات رسمية، منها تقديم الطلب، وتحديد نوع الترخيص أو التصريح، وتعبئة تفاصيل برنامج الجمع وإرفاق المستندات المطلوبة.

لذلك، فإن الطريق الأجمل والأضمن أن تتم المبادرة بإحدى صورتين: إما عبر جمعية خيرية مرخصة تختار الحالة وتستقبل الدعم نظاميًا وتنفذ المشروع، وإما أن تكون مساهمة خاصة محدودة بين أعضاء مجلس معروفين، دون إعلان عام أو دعوة مفتوحة لجمع الأموال، مع استشارة المركز الوطني أو الجهة المختصة عند الحاجة. والاحتياط هنا ليس تعطيلًا للخير، بل حماية له؛ فالخير إذا انتظم دام، وإذا توثق اطمأنت النفوس، وإذا سلم من الشبهة باركه الله والناس.

وحتى تنجح «سكناهم»، يمكن أن تسير بخطوات واضحة:

1. تشكيل لجنة صغيرة من ثلاثة إلى خمسة أشخاص داخل المجلس، عُرفوا بالأمانة والاتزان وحسن التصرف.

2. التنسيق مع جمعية خيرية موثوقة لاختيار الأسرة المستحقة، حتى لا يتحول الأمر إلى اجتهاد عاطفي أو معرفة شخصية.

3. زيارة المنزل بسرية واحترام، دون تصوير الوجوه، ودون نشر تفاصيل تُعرّف بالأسرة.

4. إعداد تقرير فني قبل التنفيذ يحدد الاحتياجات: كهرباء، سباكة، دهان، أرضيات، مطبخ، أجهزة، أثاث.

5. أخذ عروض أسعار مختصرة من مقاولين أو فنيين معروفين، حتى لا يضيع المال في سوء تقدير.

6. تنفيذ المشروع على مراحل، مع متابعة الجودة لا مجرد الدفع.

7. تقديم تقرير داخلي للمساهمين قبل العمل وأثناءه وبعده، مع صور للمكان دون كشف هوية الأسرة.

8. تكرار التجربة سنويًا، فإذا نجح المجلس في بيتٍ واحد، فقد فتح بابًا لبيوت كثيرة.

وهنا يجب أن ننتبه إلى أدبٍ عظيم: الفقير ليس مشروع تصوير، واليتيم ليس مادة دعائية، والمتعفف لا تُكسر كرامته باسم المساعدة. قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى . فليكن شعار المبادرة: نُصلح البيت ولا نكسر القلب، نرفع الجدار ولا نهدم الحياء، نعطي بيدٍ رحيمة لا بكاميرا متطفلة.

إن في كل مدينة مجالس ودواوين لو حمل كل مجلس منها بيتًا واحدًا في العام، لتغيرت ملامح أحياء كاملة خلال سنوات قليلة. بيتٌ واحد يُرمم، يعني أسرة تستقبل ضيوفها بلا خجل، وأطفالًا ينامون في غرفة أنظف، وأمًا تطبخ في مطبخ أكرم، وأبًا يشعر أن المجتمع لم يتركه وحيدًا في آخر الطريق.

«سكناهم» ليست مجرد ترميم منازل؛ إنها ترميم أمل. وليست إحسانًا عابرًا؛ إنها صدقة جارية تسكن الجدار والقلب معًا. ومن أراد أن يبحث عن أثرٍ يبقى بعده، فليضع ماله في بيتٍ يقي يتيمًا من الانكسار، وفقيرًا من الحرج، وأسرةً من برد الحاجة.

فالبيوت التي نصلحها اليوم قد تكون لنا غدًا ظلًا يوم لا ظل إلا ظل رحمته. وما أجمل أن يكتب الإنسان في صحيفة عمله: هنا أسرةٌ سكنت بكرامة، لأن مجلسًا من أهل الخير لم يكتفِ بالكلام، بل قال وفعل، ورأى الحاجة قريبة… فاقترب منها بالرحمة.