آخر تحديث: 13 / 5 / 2026م - 2:25 م

يا راحلًا عنا هل أتاك حديث المحبين؟

عبد العظيم شلي

يرحل الأعزاء عنا ويتركوننا معلقين بذكراهم، نقلب صورهم الحسية والمادية، فتأتينا أطيافهم بدفءٍ من الحنين، وشوقًا إلى محياهم، وعطشًا إلى مجالستهم، نسترجع مشاهد السعد والبهجة، لكن تعاجلنا في الوقت نفسه سهام الحسرات، نزفر الآهات، فنتقلب في الأنين بين التسليم بالقضاء ومناكفة الأيام، لماذا رحلوا؟ أصحيحٌ أنهم رحلوا؟ كم تمنينا ألا يرحلوا، رحلوا وتركونا نجتر أنسهم في لحظاتٍ من الخيال، وكأن وجودهم كان حلمًا عابرًا.

يا أيها الحلم كنت زمنًا قصيرًا، عن راحل عنا لم نشبع بعد من حضوره الفتان، لم يتقلب على فراش مرض، ولم يَشِخْ بعد، ولم يبلغ من العمر عتيًا، بل كان في أوج عنفوانه يتحرك كما الشاب فتيًا، مجلجلًا بالضحكات وحب للعمل بعزم وثبات، ممتلئًا حماسةً وإقبالًا على الحياة.

يستقبل الكل بفائض من المحبة عربونَ شوقٍ مستدام، ورنين صوته يتبعه بقبضة من راحتيه، فيسري الودُّ بين لمسات الخدود، رسائل كرم تتجلى بالسؤال والسؤال عن أحوالك وأحوال الأهل والأقربين والأبعدين ولفيف الأصدقاء.

ما حالنا بعد مرور أربعين يومًا على رحيلك يا سلطان، يا أيها الفنان، أربعون يومًا انقضت على رحيلك يا أيها الإنسان، لكن لم ينقض شوقنا إليك، كم آنستنا بحكاياتك الممتعة، بسرد غناوي المتعبين لِمَن مرّوا قبل غبشة الصبح وليالي الگمبار، نسمع ضحكاتك معهم، صدى قفشاتك، رنين أشعارك وبث الأبوذيات، أطربتنا بغناوي الشوق على الاسياف، بين مراتع الصبا، وردح على الفنة وصيد الگنة والخوض لزرع اللگايا ومد خيوط الجلة، كم تهاديت خفة وسرعة على زورقك الطائر في عرض البحر، وأنت العارف بهجرات الأسماك وأوقات تكاثرها، فتشد الرحال لأمكنة وجودها ومسارات عبورها، فتحصل على رزقك المقسوم، طيور النوارس شواهد بين شواطئ الجبيل وسنابس على بذخك في الصيد سنين وسنين، أنت المعلم في أوصاف أنواع الأسماك فتعرف متى يؤكل هذا وموسم ذاك.

خبرت البحر وخبرت الرسم، فأمتعت الأبصار بإنجازاتك اللونية والخطّية والزخرفية، وأنت المولع منذ الصغر بالفن بحرفية عالية، شهد لك زملاء الطفولة ومراحل الشباب ومن عاشرك على مقاعد الدرس، ذكروك حسنًا، لأيامٍ كنتَ فيها صاحب الأنامل الباهرة.

لم تتخلَّ عن تجلياتك في عوالم اللوحات، فأتى المفتون بكل ما يتعلق بالتراث فسجّلَه كلمةً ولونًا، رسائلَ حنين وتحايا لسنين الآباء والأجداد الذين لحقت بهم مؤخرًا، فشاركتهم النُّزُل قبل الأوان.

بحسرات كم ألقى عليك المحبون تلاوين التحايا على روحك المحبة للخير والفزعات.

وأكدوا على حرفيتك العالية في كل فن، وأجمعوا على روحك التطوعية المجتمعية، دونوا مرثيات وخواطر تأبين وأشعار وجد وسطور حزن.

يا سلطان تلاقف، هل أتاك فيض الأحبة من ترانيم نبض قلوبهم؟ تعال اسمع دقات نبض من تقاسم معك ملح البحر والفن:

«يقولون النوم حاكم وسلطان
لكن نومتك غير هالمرة يا سلطان

هذا حكم الباري ما عليه سلطان
بفقدك نعزي النفس والأهل سويةً.

معزيكم / علي الشطي - أبو ناصر».

يا سلطان كم يكن لك أبو ناصر حبًا آسرًا، أبلغني به حين قابلته وجهًا لوجه وفاض به الكلام ورنين الذكريات، هو الحب الممتد والشجي عبر كلمات ابن خالتك أبي إياد:

«سلطان علي تلاقف أبو جواد في ذمة الله..

نعم الرجل السلطان يستقبلك بروحه الطيبة وبابتسامته وبنكتته وببياض قلبه وسريرته، تفرح وتأنس لرؤيته وبفكاهيته وبتعليقاته ونفسه المرحة ودعابته.

رجل يملك كل مقومات النجاح، رجل عصامي، مكافح، وحريف من الدرجة الأولى، لا يعرف الجلوس فوق الكراسي، بالإضافة إلى عمله في الهيئة الملكية بالجبيل، قضى حياته كلها في عمل وكفاح.

امتهن العمل في صيد الأسماك وفي الفن بجميع أشكاله وصوره، نستذكر بعضًا منها، امتهن الخط والرسم والنقش وحتى البناء الجمالي وضع يده فيه وأجاده، ولم يترك مهنة إلا ووضع يده فيها وأتقنها بدرجة امتياز.

نعم هذا الرجل يملك يدًا وأنامل من ذهب، أينما وضعها فهي تطوع العمل المهني والفني، ولا يطوّعها العمل،

فقدنا رجلًا يملك روحًا طيبة وقلبًا وسريرة بيضاء ترتاح الأنفس لرؤيته، لكن هكذا هو حال الدنيا تفقدنا عزيزًا بعد آخر، والأمر كله لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عزاؤنا للعوائل الكريمة آل تلاقف وآل صفوان والعبادي والماجد والحبيب واليوسف وجميع العوائل الكريمة التي تلتقي في نسب مع عائلة الفقيد السعيد.

حشرك الله يا أبا جواد مع محمد وآل بيت محمد الطيبين الطاهرين ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 156] -

يوسف الماجد».

التحايا لك يا أبا إياد وعلى سطورك الوافية وجملك الضافية بأسمى آيات الحب والوفاء التي تخفي تماسكًا ومتانة صبر وتسليمًا بالأمر.

يا سلطان ما حال خِلِّيصك، ما حال أخيك الأكبر الأستاذ محمد علي؟

فقد رثاك ألمًا ووجعًا على مرارة رحيلك المفاجئ:

«وترجل أبو جواد…

رحل صاحب الخلق الرفيع، صافي النية، طيب القلب، اختصر المقام واستعجل الرحيل، وكان الفراق الذي عزَّ علينا جميعًا، ترك صدمة لم تكن في الحسبان، لكن لا اعتراض على مشيئة الخالق سبحانه وتعالى.

رحل الفنان، رحل الغواص في عالم الفنون بأشكاله وفنونه من رسم وخط ونقش وتصاميم، ولا ننسى إبحاره في عالم الموال والأبوذية وإن كان مقلًا لكنه أبدع.

رحل صاحب التعليقات الطريفة والقفشات الخفيفة التي اعتاد عليها من يعرفه بالقبول وإن كانت حادة أحيانًا، لكن عندما تسبر غورها تجدها مغلفة بالفكاهة والطرافة كقطعة الشوكلاتة، عذبة في الذوق خفيفة على الأسماع.

رحل عاشق سنابس وبحرها الذي تربى بجواره وتفتحت عيناه على زرقة مائه وصفاء سمائه وخيره الوفير، فكان صيادًا ماهرًا عارفًا بمعظم طرق الصيد وأنواع الأسماك وأجودها.

رحل أبو جواد الشقيق والصديق في طرفة عين، فلم يشكُ مرضًا ولا ألمًا، هذا الذي نعرفه منه ظاهرًا.

رحل وأحدث جرحًا عميقًا في كل العائلة فجر ذاك اليوم الذي انتشرت فيه الاتصالات بين مصدق أو حالم، فهل الذي توفي أبو جواد أم غيره؟

لا حول ولا قوة إلا بالله.. نعم مات شقيقي أبو جواد، فعمّ الألم والبكاء والحزن جميع أفراد العائلة والأهل والأحباب.

رحمك الله يا أخي أبا جواد وحشرك مع محمد وآل محمد إلى جنان الخلد.

أبو حسام محمد تلاقف».

كلمات شجن سمع أنينها كل أفئدة الأهل ترن بين الأذان وحنايا القلب، ما أقسى على الإنسان أن يفقد عضيده، خليصه الذي شاطره الحلوة والمرة وتقاسم معه المسرات والأوجاع سنين طوالًا.

وها هو أبو حسين الطوال يرثيك بكلمة عذبة تفيض ألمًا وحسرةً على مرارة الفقد، يختمها بترنيمة شعر:

«المرحوم سلطان مجموعة إنسان…

﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 156] ولا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم…

مهما حاولنا أن نكتب أو نذكر مآثر أحبّتنا وأهلنا وأصدقائنا وزملائنا بعد مماتهم وفقدهم وغيابهم عن المكان والزمان فنحن مقلّون ومقصّرون لأننا في الواقع لا نعرف قيمتهم ولا نبدي مشاعرنا الجميلة تجاههم في حياتهم ووجودهم بيننا. وما الأخ العزيز المرحوم سلطان تلاقف إلا واحدًا وشاهدًا على تقصيرنا للأسف الشديد.

مضى ورحل بسرعة خاطفة لدار البقاء، أبو جواد الإنسان الطّيب والخلوق وصاحب الإبتسامة الدائمة وصاحب المواهب المتعددة «الشاعر والخطّاط والرسّام والغوّاص والبحّار» وغيرها الكثير والكثير وصاحب الأخلاق النبيلة، ترجّل وترك خلفه إرثًا فنيًا جميلًا وسمعة طيبة وآلامًا وجروحًا لا تندمل أبدًا. من عرفه عن قرب سيفتقده ويفتقد حواراته العميقة وفنونه الجميلة وطيبته الظاهرة وحنانه الطاغي. لسلطان الرحمة والمغفرة والجنّة مع من تولّاهم في الدنيا محمد وآل محمد ولكم جميعًا أهله وذويه ومحبّيه وفاقديه الصبر والسلوان.

صباح الفَقْد صبّحنا بالأوجاع
وبالأخبار موتك صار عنوان

خبر يانا نزل صاعق بالدموع
رثتك الأهل والديره والإخوان

لفى الموت وطفى حسّك كالشموع
بكتك الروح والدلّال حيران

عليك الفن يسايلني والشراع
يصيح ابآه من أجلك يا سلطان

أسف هاليوم نتفارق بلا اوداع
حسيبك بالنبي جنّه وغفران

أبو حسين أحمد الطوال».

كل التحايا على هذه الأنفاس الصادقة الصدوقة الوفية المخلصة، كلمات وأشعار تواسي أنفسنا الحزينة.

هل بلغك يا أبا جواد بأن جيرانك في الجبيل توافدوا للعزاء نساء ورجالًا، هم أحبّتك، هم إخوانك الذين لم تلدهم أمك، يمثلون بعضًا من طيف مناطق المملكة،

جزاهم الله خيرًا على تجشمهم العناء، فقد تركت فيهم مساحة حب واسعة لا تعرف القبلية ولا الطائفية ولا المذهبية، كنت فوق سفاسف الأمور، عشت متنعّمًا بحميمية الجيرة وحسن العشرة وكأنك واحد منهم، حتى الغرباء عن أوطانهم الناطقين بلغات مختلفة كنت تحسن معاملتهم لأنك تحمل روحًا إنسانية، فلا عجب عند رحيلك بكتك العيون.

قد يبدو لنا بأننا فقدنا حسك الفني ولونك الخاص، لكننا عثرنا عليه إعجابًا في أنامل بنتك الموهوبة زينب، فهي وريثتك في عالم الفن، مبدعة في الرسم بل تسوق أعمالها بشطارة وذكاء.

وإن فقدنا حضورك وجلال محياك فقد وجدناه متمثلًا في شخص ابنك الوحيد جواد، فهو يحمل بعضًا من سماتك وآثارًا من شمائل صفاتك، وفنون الطبخ ورثتها لابنتك فادية أم أحمد طارق صفوان المكافحة في شؤون الحياة، وحسن التدبير عند ابنتيك آيات وابتسام.

كنت سعيدًا بشخصياتهن الأبية، لم تألُ جهدًا في إسعادهن، كنت حنونًا عليهن بشكل طاغٍ، تحاورهن بحوارات لا تنتهي في كل المجالات الفنية والثقافية والحياتية، كأنك الصديق الوفي والأخ الرقيق والرفيق الأكبر، تخاف عليهن حتى من نسمة الهواء.

ما أجملك وأنت تصحب شريكة عمرك أم جواد وتجلسان معًا على كراسي حديقة الحي كل صباح، وفي يدك كيسًا من فتات الخبز، تباشر برميها تواليًا على العشب، تحط العصافير أرضًا وتلتهم القطع الصغيرة بنهم، ينشرح صدرك وأنت تستمتع بالمنظر وتقول: صدقة وتزكية نفس. تطعمها كل يوم وتتأملها وهي تحلق في الفضاء،

عادة درجت عليها أيامًا وسنين، لكن بعد الثاني عشر من شهر شوال الفائت من كان سيطعم العصافير!

هي تسأل: أين الذي كان بالأمس يطعمنا؟ كنا نلتقط ما تساقط عند أرجله، نقترب منه ولا نخشى حتى ظله، أين ذهب عنا؟

لسان حال من تعطف على عصفور وعصفور بحجم راحة اليد: «اللقمة أشهى مذاقًا وألذُّ طعمًا لو اقتسمناها حتى مع الطير».

كم تقاسمنا معك ولائم الأفراح ولمّات الأهل والصحب الجميل.. يا سلطان تلاقف، صدى كلماتك ترن نغمات فرح وشوقًا إلى محياك، سنينَ من أُنسٍ عشناها معك، معلقة في سحائب الرحمة وأجمل الذكريات، غادرتنا دون ميعاد، كم أضنانا رحيلك، لكن ما حيلة الفاقدين غير الصبر والسلوان.

كلما مرت جمعة أهل وخلان، نقول كان بيننا إنسانٌ يفيض محبةً وجودًا وكرمًا وابتسامةَ صباح.