التأطير
في كثيرٍ من المواقف اليومية لا يُحاسَب الإنسان على خطئه بوصفه إنسانًا يخطئ ويصيب، بل يُحاكم من خلال ”القالب“ الذي وضعه المجتمع فيه. فإذا أخطأ معلّم قيل له: ”أهذا تصرّف معلّم؟“، وإذا قصّر داعية قيل: ”كيف يصدر هذا ممن يتحدّث بالدين؟“، وإذا غضب الأب أو تعبت الأم أو تعثّر المثقّف أو أخفق الناجح؛ انهالت عليهم الأحكام وكأنّ ألقابهم جرّدتهم من بشريتهم.
هذا ما يمكن تسميته اليوم بـ ”التأطير“، أي حصر الإنسان داخل صورة ذهنية جامدة، بحيث يصبح مطالبًا أن يتصرّف وفق توقعات الناس، لا وفق طبيعته الإنسانية. والخطر هنا أنّ المجتمع لا يعود يرى الإنسان، بل يرى ”الصفة“ أو ”الوظيفة“ أو ”اللقب“.
لقد جاء القرآن الكريم ليعيد للإنسان إنسانيته قبل أي شيء آخر، فحتى الأنبياء — وهم صفوة الخلق — أكّد القرآن بشريتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: 110]، فالرسول الأكرم ﷺ لم يُقدَّم للناس بوصفه كائنًا منفصلًا عن الطبيعة البشرية، بل إنسانًا يعيش المشاعر والتحديات والضغوط، لكنّه يسمو بالإيمان والأخلاق. فإذا كان هذا في حق الأنبياء، فكيف بغيرهم من الناس؟
إن الوعي الحقيقي يبدأ حين نفهم أنّ الخطأ، إن صحّ التعبير، لا يُبرَّر، لكنّه أيضًا لا يلغي إنسانية صاحبه. فالمعلّم ليس ملاكًا، والطبيب ليس آلة، والمربّي ليس معصومًا، بل بشر قد يضعف ويتعب ويخطئ. والمشكلة ليست في مطالبة أصحاب الرسالات والأدوار بالأخلاق الحسنة، فهذا أمر مطلوب، وإنّما المشكلة في تحويلهم إلى نماذج ”مثالية متخيَّلة“ ثم جلدهم عند أول تعثّر.
وقد أشار أمير المؤمنين الأمام علي بن أبي طالب
إلى هذا المعنى العميق حين قال: ”اعرف الحق تعرف أهله“، أي لا تجعل تقييمك للأشخاص قائمًا على الألقاب أو الصور الذهنية، بل على الحقيقة والعدل والوعي. فالإنسان قد يحمل لقبًا عظيمًا لكنّه يخطئ، وقد يكون بسيطًا مجهولًا لكنّه عند الله عظيم المقام.
كما أنّ أهل البيت
ربّوا الناس على الرحمة في النظر إلى الآخرين، لا على القسوة في المحاكمة. رُوي عن الإمام جعفر الصادق
أنّه قال: ”التمس لأخيك عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فالتمس له عذرًا“. هذه المدرسة الأخلاقية لا تُلغي المحاسبة، لكنّها تمنع تحويل البشر إلى مشاريع إدانة دائمة.
إنّ أخطر ما يخلقه التأطير هو النفاق الاجتماعي؛ إذ يبدأ الإنسان بالتصرّف لأجل صورته أمام الناس، لا لأجل قناعته أو صدقه الداخلي. فيخشى أن يخطئ، لا لأنّه يكره الخطأ، بل لأنّه يخاف سقوط ”الصورة المثالية“ التي رسمها له المجتمع. وهنا يموت الصدق، ويولد التكلّف.
نحن بحاجة إلى وعيٍ جديد يُعيد التوازن: نحترم الأدوار، نعم، لكن دون أن نختزل الإنسان فيها. نوجّه المخطئ، نعم، لكن دون أن نسلبه إنسانيته. فالإنسان لا يُقاس بلقبه فقط، بل بقدرته على التوبة، والتطوّر، والعودة إلى الطريق الصحيح.
إنّ المجتمعات الواعية ليست تلك التي ترفع الناس إلى مرتبة العصمة، بل التي تعرف كيف تتعامل مع أخطاء البشر بعدل ورحمة وإنصاف.












