آخر تحديث: 13 / 5 / 2026م - 1:48 م

السِّيَر ومفهوم كتابة الحياة

يوسف أحمد الحسن * صحيفة البلاد

يشمل مفهوم كتابة الحياة مجالًا أدبيًّا واسعًا يعبر عن التجارب الحياتية الفردية أو الجماعية أو الموضوعية بأشكال متنوعة تتجاوز كونها كتابة سيرة ذاتية، التي هي قيام أي شخص بسرد حياته الشخصية بشكل تسلسلي من البداية، لتتوسع وتشمل معها جوانب أخرى؛ وهي:

• السيرة الغيرية: وهي أن يقوم شخص بكتابة سيرة شخص آخر، إما بسبب انشغال الشخص موضوع السيرة، أو بسبب عدم قدرته على ذلك كتابيًّا أو صحيًّا، وقد تكون بموافقته أو بإذنه وقد لا تكون كذلك، وربما كتبت حتى بعد وفاته، ولذلك فإن كاتبها قد يضيف عليها بعضًا من رؤاه أو تأملاته الشخصية. وهناك أيضًا فرق دقيق بين هذا النوع من السير وما يسمى «السيرة الشخصية»، حين يكتب شخص آخر عن الشخصية الأساسية لكن بتدخل بسيط من الكاتب في إعطاء آرائه الشخصية، وقد يَعُد البعض هذا النوع «سيرة غيرية» ليس إلا.

• المذكرات: وهي شبيهة بالسير الذاتية، لكنها تركز على فترات معينة وأحداث محددة، ولا تهتم بالتسلسل أو بسرد كامل السيرة.

• اليوميات: وهي تسجيل يومي للأحداث والتجارب.

• الرسائل: وهي توثيق لأحداث مرت على كاتبها عبر مراسلات.

• السير الذاتية الروائية: وهي كتابة شبيهة بالسير الذاتية لكنها مكتوبة في قالب روائي يمزج بين الواقع والخيال، وتسمى أيضًا الرواية الذاتية.

• السيرة الجماعية: وتتناول حياة مجموعة أشخاص مرتبطين بسياق مشترك، عائلي أو مهني أو علمي، أو حتى حركة سياسية في بلد ما.

ولا يمكن أن نعد هذا التقسيم حاسمًا؛ إذ يمكن أن تتداخل عدة أنواع لتشكل في النهاية عملًا أدبيًّا مفيدًا يضيف لما هو موجود في الساحة الأدبية.

وتهدف هذه الكتابات - التي يضمها عنوان كتابة الحياة «life writing» - إلى عدة أمور؛ منها كشف تشكل الذوات، فردية كانت أو جماعية، ومشاركة التجارب الحياتية والدروس لكي يستفيد منها آخرون قد يجدون فيها إلهامًا من نوع خاص، أو قد تكون من أجل حفظ تاريخ معين قد يكون مسكوتًا عنه أو مهملًا. كما قد تكون هذه الكتابة محاولة من الكاتب لفهم ذاته حينما يكتب عنها، أو للتعافي من تجربة مُرّة أو صدمة حياتية عاشها، أو حتى نوعًا من إثبات الوجود حينما يشعر كاتبها بدرجة من الإهمال المجتمعي، وقد تستخدم للتأمل في قضايا عميقة كالموت والألم والحب والكراهية، وغيرها من التجارب الشخصية.

والسؤال الذي يطرحه البعض: هل يشترط أن تكون هذه الكتابات خاصة بكبار الكتاب والمؤلفين أو بالمشاهير في مختلف العوالم السياسية أو الفنية أو الرياضية أو غيرها؟ الجواب هو لا؛ فالأمر متاح للجميع ما دامت توثق فترة زمنية أو حالة شخصية فريدة أو جميلة، وربما كان الشرط الوحيد لهذه الكتابات هو أن تضيف شيئًا لما هو موجود، وتكون بمستوى أدبي مقبول. ذلك أنه ربما يأتي الشخص العادي على أمر أو جانب أغفله جميع الكتاب المشهورين، أو قد يكتب في أحد الجوانب التي لا يفهمها كبار الكتاب ويفهمها فقط عامة الناس، كأن يكتب أحد عمال النظافة مذكراته ومعاناته اليومية، أو أن يقوم أحد عمال المصانع الخطيرة بكتابة سيرته الذاتية، أو ما شابه مما لا يستطيع غيره الكتابة عنه.