آخر تحديث: 13 / 5 / 2026م - 1:48 م

السر بين «المتحدث» و«المستمع»

مصطفى صالح الزير

في حياة الإنسان مساحات واسعة للكلام، لكنها ليست كلّها صالحة لأن تُملأ بكل ما في القلب. وليست الراحة في كثرة الحديث، بل في دقّة الاختيار: ماذا تقول، وكيف تقول، ولمن تقول. فالكلمة حين تُقال بوعي قد تكون باب طمأنينةٍ ونور، وقد تتحول - إن غاب عنها الوعي - إلى زيادة في التعقيد. ولهذا، فإن مهارة الإنسان ليست فقط في التعبير، بل في فهم ما يمرّ به بعقلٍ هادئ، وقلبٍ حاضر، بعيدًا عن الانفعال غير الواعي.

وقد رسمت كلمات أهل البيت ميزانًا دقيقًا في فهم العلاقات، حين قال الإمام الصادق :

«الإخوان ثلاثة: فواحد كالغذاء الذي يحتاج إليه كلُّ وقتٍ، فهو العاقل، والثاني في معنى الداء، وهو الأحمق، والثالث في معنى الدواء، فهو اللبيب.»

فليست القضية في «الأشخاص» بقدر ما هي في «أثرهم عليك»؛ من يُغذي روحك، ومن يُربكك، ومن يُصلحك في الوقت المناسب. ويؤكد هذا المعنى قوله :

«الإخوان ثلاثة: مواسٍ بنفسه، وآخر مواسٍ بماله، وهما الصادقان في الإخاء، وآخر يأخذ منك البلغة [1]  ويريدك لبعض اللذة، فلا تعدَّه من أهل الثقة.»

وكذلك ما ورد عن الإمام الحسين :

«الإخوان ثلاثة: فأخٌ لك وله، وأخٌ لك، وأخٌ عليك، وأخٌ لا لك ولا له.»

كل ذلك يضع أمامك حقيقة واضحة: العلاقات درجات، والوعي بها ليس عبئًا… بل رحمة تحمي قلبك وتمنحك راحة أعمق.

وهذا الوعي لا يكتمل إلا إذا فرّقنا بدقة بين أمرين:

بين «من يتحدث» و«من يستمع»، لأن هذا التفريق يفتح لك باب الفهم الصحيح، ويجنبك كثيرًا من سوء الظن والتعب.

أولًا: من جهة «المتحدّث»

حين ترى شخصًا يتكلم، فاعلم أن الكلام ليس نوعًا واحدًا، بل وراءه نوايا واحتياجات مختلفة، ويمكن فهم ذلك على النحو التالي:

متحدث يطلب الراحة «الفضفضة»:

هذا لا يبحث عن حل، بل عن سكينة. يريد أن يُخرج ما في داخله؛ ليهدأ ويستعيد توازنه، وأجمل ما يُقدَّم له هو الإنصات الهادئ دون إثقاله بالنصائح.

متحدث يطلب الإثبات «فرض الرأي»:

هذا يتكلم ليُقنع لا ليفهم، يرى رأيه بوضوح، لكنه لم يتدرّب بعد على سعة الاستماع، والتعامل معه يكون بالهدوء وحفظ الطاقة دون الدخول في جدال لا يثمر.

متحدث واعٍ «يبحث عن الفهم»:

وهذا من أجمل الناس أثرًا، يتكلم ليفهم ويُفهِم، يستمع كما يتكلم، ويتقبل التصحيح، وحديثه يتسم بالهدوء والحضور والوعي.

ثانيًا: من جهة «المستمع»

وكما أن المتحدثين أنماط، فالمستمعون أيضًا مراتب، ويمكن تمييزهم على النحو الآتي:

مستمع للاحتواء: يسمعك بقلبه قبل أذنه، وجوده يمنحك طمأنينة، وكلماته تأتي بلطف واتزان.

مستمع للرد: لا يستمع ليفهم، بل ليستعد للجواب، ينتظر دوره في الكلام، ومعه يضيع المعنى ويكثر سوء الفهم، وهنا يكون الوعي في تقليل التوقعات لا في محاولة تغييره.

مستمع للفهم: وهو الأثمن، ينصت بوعي، يسأل ليتضح له المعنى، لا ليجادل، ومعه تشعر أن كلماتك وصلت وأنك مفهوم حقًّا.

وهنا تتضح الصورة بشكل أعمق: ليست المسألة فقط في «ماذا تقول»، بل في اجتماع طرفين: نوع «المتحدث» ونوع «المستمع». فقد يكون الكلام صادقًا، لكنه لم يصل لأنه وُضع في غير موضعه، وقد يكون المستمع جيدًا، لكن المتحدث في حالة انفعال فلم يُحسن التعبير.

ومن هنا يتحول الوعي إلى نعمة عظيمة: أن تعرف متى تتكلم، وكيف، ومع من، وأن تختار الصمت أحيانًا بوعي كما تختار الكلام.

وفي وسط كل هذه العلاقات، يبقى الأصل الذي يمنحك الثبات الحقيقي: علاقتك بالله.

يقول تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس: 62]

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج: 38]

حين يكون قلبك قريبًا من الله، تهدأ داخلك أمور كثيرة، ولا تعود بحاجة لأن تشرح نفسك لكل أحد، ولا تبحث عن الطمأنينة في كل مكان، لأنك وجدتها في أصلها الصحيح.

ومن لطيف ما يمرّ على الإنسان، أنه قد يطمئن سريعًا حين يسمع من شخص: «أنا معك…»، لكن الطمأنينة الأعمق والأبقى هي أن يستشعر أن الله معه. وهنا يرتقي الوعي؛ ليس برفض الناس، بل بوضعهم في مكانهم الصحيح، وتقديم التوكل على الله على كل اعتمادٍ سواه.

غير أن واقع الإنسان أحيانًا يكشف عن خلل لطيف يحتاج إلى إصلاح هادئ:

حين يعلّق قلبه كثيرًا بالناس، ويضع ثقله الداخلي على وعودهم، فيقوى اعتماده عليهم، ويضعف يقينه بالله دون أن يشعر.

والحل ليس في ترك الناس، ولا في الانقطاع عنهم، بل في إعادة ترتيب القلب:

أن تجعل اعتمادك الأول على الله، ثم ترى الناس أسبابًا يُسخّرها الله لك، لا مصادر مستقلة للطمأنينة.

أن تأخذ منهم ما يقدّر الله لك بلطف، دون أن تربط استقرارك بوجودهم أو غيابهم.

أن تُحسن الظن بالله قبل كل شيء، وتُحسن الاختيار في الناس بعد ذلك.

ومن هنا يتكامل ميزان الحياة: أن تختار من تتحدث إليه بعناية، وأن تتحدث بوعي وهدوء، وأن يكون قلبك متصلًا بالله قبل كل أحد.

العزلة ليست دائمًا ابتعادًا، بل قد تكون لحظة صفاء تعيد فيها ترتيب روحك، ثم تعود إلى الناس أكثر وعيًا، وأهدأ حضورًا، وأجمل أثرًا.

الحياة بطبيعتها لا تخلو من المشكلات، وهذا أمر طبيعي لا يُقلق، لكن الطمأنينة لا تُبنى على غياب التحديات، بل على حضور الله عز وجل في تفاصيل حياتك: في فكرك، ولسانك، وقراراتك، ومشاعرك.

فإذا امتلأ قلبك بهذا الحضور، أصبح أكثر ثباتًا، وأهدأ في ردوده، وأوضح في رؤيته، وألطف في تعامله مع نفسه ومع الناس.

حينها تتحول المواقف إلى دروس، والتحديات إلى أبواب نضج، والعلاقات إلى مساحات وعي ورحمة، ويمضي الإنسان في حياته بنورٍ داخليٍّ يرشده ويطمئنه ويقوّيه في كل حال.

والحمدُ لله ربِّ العالمين.

[1]  البلغة: المقصود أن هذا النوع من الناس يأخذ منك القدر الذي ينتفع به ويقضي به حاجته - سواء مالاً أو منفعةً أو دعماً - لكن ليس بدافع الأخوّة الصادقة، بل بدافع المصلحة أو المتعة المؤقتة. فالبلاغة في التعبير هنا دقيقة جداً:

لم يقل ”يأخذ منك كل شيء“، بل ”البلغة…“ أي يأخذ بقدر ما يحتاج ليُبقي العلاقة قائمة ما دامت تخدمه. وهذا يعلّمنا أن ليس كل عطاء متبادل هو دليل صدق، بل العبرة في النية، والثبات، والموقف عند الحاجة.