من عبق الماضي: ملامح الأزياء الشعبية في القطيف
لم تكن أزياء أهل القطيف في الماضي مجرد حاجة يومية تُرتدى مع الصباح وتخلع عند المساء، بل كانت امتدادًا حقيقيًّا لروح المجتمع القطيفي، وصورة حية تختزن تفاصيل البيئة والناس والعادات والمكانة الاجتماعية؛ فارتباط اللباس القطيفي منذ الأزمنة القديمة كان بحياة البحر والنخيل والأسواق الشعبية والمجالس الدينية، حتى غدت هيئة الرجل أو المرأة جزءًا من الهوية التي يعرف بها الإنسان بين أهل ”الفرقان“ أو ”الفرجان“ والقرى والسواحل.
فالقطيف بما تملكه من موقع بحري وتاريخ تجاري ممتد، كانت ملتقى للثقافات القادمة من دول الخليج والعراق والبحرين والهند وإيران، ولذلك انعكست هذه المؤثرات على الأقمشة والأزياء وأنواع التطريز وأسماء الملابس المتداولة بين الناس، غير أن أهل القطيف رغم هذا الانفتاح استطاعوا أن يصوغوا لأنفسهم طابعًا خاصًّا يميز لباسهم عن غيرهم سواء في طريقة تفصيل الثياب أو هيئة الغترة والعقال أو في أنواع البشوت والعباءات التي ارتبطت بالمجتمع القطيفي ردحًا طويلًا من الزمن.
وكان اللباس في القطيف يحمل دلالات تتجاوز المظهر الخارجي، إذ يكشف في كثير من الأحيان عن طبيعة صاحبه ومكانته وهيبته ومهنته؛ فالفلاح الذي يقضي نهاره بين حقول المزارع والنخيل لم يكن يلبس كما يلبس البحار أو الغواص، كما أن هيبة رجل الدين تختلف عن هيئة الوجهاء أو ”الزكرتية“ المعروفين بالأناقة والمبالغة في الاعتناء بالمظهر، فالملابس في المجتمع القطيفي كانت تُقرأ كما تُقرأ الوجوه؛ فمن شكل الثوب وطريقة لبس الغترة ونوع البشت أو العمامة يستطيع الناس معرفة كثير من ملامح شخصية الرجل وموقعه الاجتماعي.
وقد فرض مناخ القطيف الحار والرطب حضوره على طبيعة الأزياء، فغلبت الملابس الخفيفة الواسعة ذات الألوان البيضاء والفاتحة؛ لما تمنحه من راحة وتخفيف لحرارة الجو، فأصبح الثوب الأبيض والغترة البيضاء من أكثر الأزياء انتشارًا بين رجال القطيف، إلى جانب استخدام خامات مثل القطن والويل والململ والكتان، وهي أقمشة عرفت بخفتها وملاءمتها لأجواء الخليج، وفي الشتاء والمناسبات الرسمية فقد حضرت الأقمشة الصوفية والوبرية خصوصًا في صناعة البشوت والدقل والعباءات الثقيلة.
لقد كان الثوب القطيفي التقليدي يتميز باتساعه وخفة قماشه، وغالبًا ما يخاط لدى خياطين محليين اشتهروا بإتقان المهنة ودقة التفصيل، فقد كانت الأسواق القديمة في القطيف تعج بمحال البزازين الذين يعرضون أنواع الأقمشة القادمة من البحرين والهند والعراق، وتحمل أسماء شعبية ظلت عالقة في ذاكرة الناس مثل اللاس والويل والبوسكي والبريسم وهو الاسم الشعبي للحرير الطبيعي أو للخيوط الحريرية الناعمة، وبعض هذه الأقمشة ارتبط بالأناقة والترف بينما عرف بعضها الآخر بالاستخدام اليومي والعمل.
أما الطبقات الاجتماعية المرموقة فقد ارتبطت بملابس أكثر فخامة وهيبة ومن أبرزها الزبون والصاية والدقلة والجوخة وهي أردية تلبس فوق الثوب وتعرف في القطيف والمنطقة الشرقية منذ زمن طويل؛ وكان ”الزبون“ يلبس في الأعياد والمجالس والمناسبات الكبيرة ويفصل من أقمشة مخططة أو سادة ذات ألوان هادئة، فيما عرفت ”الصاية“ بخفتها وانسيابها وأناقتها، بينما جاءت ”الدقلة“ أكثر سماكة وهيبة، وغالبًا ما تطرز بخيوط الزري لتناسب الوجهاء وكبار السن والخطباء.
ولرجال الدين في القطيف حضور خاص في هيئة اللباس، فقد ارتبطت ملابسهم بالوقار والبساطة والرمزية الدينية، فالعالم أو الخطيب يُعرف من عمامته قبل أن يُعرف باسمه، إذ شكلت العمامة البيضاء أو السوداء أو الخضراء رمزًا للعلم والمقام الديني والانتماء العائلي، فكان رجل الدين يلبس الثوب الأبيض تعلوه الصاية أو القباء ثم يضع فوقهما البشت أو العباءة الهادئة التي تخلو غالبًا من الزخارف الكثيرة انسجامًا مع طبيعة الوقار التي عرف بها علماء القطيف وخطباؤها.
ارتبطت العمامة في القطيف بالحوزات العلمية والامتداد الديني القادم من النجف الأشرف والبحرين؛ ولذلك اعتنى العلماء بأدق تفاصيلها سواء في طريقة لفها أو نوع القماش المستخدم فيها، فبعضهم يقتني البشوت النجفية والحساوية الفاخرة؛ لما عُرف عنها من خفة وجودة وهيبة، إلى جانب ”المداس“ الجلدي التقليدي الذي اشتهر بين رجال الدين وكبار السن في المنطقة.
أما الغترة والعقال فقد شكلا ركنًا أساسيًّا في الزي القطيفي الرجالي، فالغترة البيضاء الخفيفة كانت الأكثر حضورًا بسبب طبيعة المناخ، بينما ظهر الشماغ الأحمر في بعض الفترات الشتوية والمناسبات، وكان العقال رمزًا للرجولة والمكانة الاجتماعية، وحتى إن سقوطه أو نزعه أمام الناس يعد انتقاصًا من الهيبة في العرف الشعبي الخليجي، وأيضًا اشتهر بعض الوجهاء والخطباء بلبس ”الشطفة“ أو العقال المقصب المزخرف بخيوط الزري وهو لباس ارتبط بالوجاهة والهيبة الاجتماعية.
وفي الطرف الآخر من المشهد الاجتماعي برزت فئة ”الزكرتية“ أو ”المشاغربين“ أو ”الشباب الفزاعة الشجاعة“ وهم شباب اشتهروا بالمبالغة في الأناقة والاهتمام بالمظهر الخارجي حتى أصبح لهم حضور خاص في ذاكرة المجتمع القطيفي؛ وكان الزكرتي يُعرف بثوبه المكوي بعناية وغترته المرتبة ذات الأطراف المنسوفة وقحفيته المائلة وأزاره الذهبية وساعته البارزة وعطره النفاذ الذي يسبقه إلى المجالس والأسواق.
فالزكرتية لم يكونوا مهتمين بالثوب فقط، بل امتد الاهتمام إلى نوع القماش وهيئة البشت وطريقة المشي والجلوس والكلام؛ إذ ارتبطوا بلبس الأقمشة الفاخرة كاللاس والحرير وبعض الأقمشة الهندية اللامعة، إلى جانب البشوت الخفيفة ذات الزري العريض، وكان الزكرتي في القطيف يمثل صورة الشباب المتأنق الذي يسعى للظهور وإثبات حضوره بين الناس حتى تحولت هيئته إلى جزء من الحكايات الشعبية والذكريات المتداولة بين كبار السن.
وللبشت مكانة كبيرة في الذاكرة القطيفية فهو لباس الهيبة والمناسبات والفرح، فقد تأثرت القطيف بالبشوت القادمة من الأحساء والنجف وإيران، فانتشرت أنواع متعددة مثل النجفي والخاجية والممشط والمعلم، وتختلف بحسب نوع الخامة وكثافة الزري ودقة التطريز؛ وكان الوجهاء والخطباء والعلماء يحرصون على اقتناء البشت الجيد خصوصًا في الأعياد والمجالس الدينية والاجتماعية.
أما البحارة والغواصون والفلاحون فقد اتسمت ملابسهم بالبساطة والعملية، فالبحار والغواص كانا يلبسان الإزار والفانيلة والسروال الخفيف الذي يساعد على الحركة والعمل في البحر، بينما ارتدى الفلاح الثوب الخفيف والقحفية والغترة البسيطة أثناء عمله في المزارع وبين النخيل، وكانت تلك الملابس تتحمل مشقة العمل الطويل والحرارة والرطوبة بعيدًا عن مظاهر الزينة والتكلف.
ولم تغب المرأة القطيفية عن الإرث فقد اشتهرت النساء بخياطة الملابس وتطريزها وزخرفتها اليدوية داخل البيوت والتي زينت العباءات والمشامر والسراويل والملابس المنزلية، فالمرأة قديمًا كانت تقوم بتفصيل كثير من ملابس الأسرة بنفسها قبل انتشار الملابس الجاهزة، لذلك أصبحت الحياكة والتطريز جزءًا أصيلًا من ذاكرة البيت القطيفي القديم.
إنَّ ملابس أهل القطيف لم تكن مجرد هيئة عابرة، بل سجلًّا اجتماعيًّا وثقافيًّا يحكي تفاصيل الحياة القديمة بكل ما فيها من وقار وبساطة وأناقة وهيبة، فمن العمامة والبشت إلى الزبون والدقلة ومن هيئة رجال الدين إلى أناقة ”الزكرتية“ بقيت الأزياء القطيفية شاهدة على مجتمع استطاع أن يحفظ ملامحه الخاصة وسط تغيرات الزمن لتظل تلك الملابس حتى اليوم جزءًا من الحنين والذاكرة وعبق الماضي الذي لا يزال يسكن وجدان أهل القطيف.













