لا تنسَ.. أنت القمر
في إحدى جولاتي على صفحات الإصدقاء، شاهدت صورة طفلة رسمت لأبيها لوحة بمناسبة يوم الأب. رسمت البحر والجبال، ووسط البحر قمر واحد فقط، كتبت عليه: «بابا»، وزيّنته بقلب وثلاث نجوم. لا قارب، ولا شمس… فقط قمر. هي ليست مجرد خطوط وألوان تبعثرت على ورقة بيضاء، بل روح سُكبت، وقلب صغير يتحدّث بلغته النقية. ربما أرادت أن تقول: إذا كانت الحياة جبالًا وبحارًا تضجّ بالمتاعب، فأنت يا أبي، أنت القمر الذي يضيء ظلامي ويهديني. فهل تدرك ماذا يعني أن تكون قمرًا في قلب صغير، يتوهّج حبًا وأمانًا؟
هذا السؤال يحمل في طياته مسؤولية تلامس الروح، وتترك فينا أثرًا لا يمحى. لكن… ماذا لو اختفى القمر؟ غاب وراء سحائب انشغالاته وهمومه المتراكمة؟ ماذا لو توارى القمر وسط التراب، تاركًا خلفه سماءً مظلمة، وقلبًا صغيرًا يتخبط في الوحشة؟ هل تراه يعود؟ هل يملك القدرة على الظهور مرة أخرى ليضيء ما أظلم من أرواح، ويجبر ما انكسر من أجنحة؟ إنها تساؤلات تثقل الروح، وتجعلنا نتوقف لنتأمل قيمة هذا القمر في سماء أرواح الأبناء.
حين يُرسم الحب… ولا يُقال الأطفال لا يكتبون الرسائل الطويلة، لكنهم يرسمون الحب بأنامل مرهفة، فهل نرى نحن الآباء هذه الورود العاطفية أم ندوس عليها لأننا مشغولين دون أن نكترث؟ أنهم يبثون رسائلهم
عبر قنوات أعمق وأصدق. إنهم لا يملكون لسانًا طلقًا كالكبار ليُعبّروا عن مكنوناتهم، لكن قلوبهم أصفى وأفصح من كل الكلمات. مشاعرهم تمر من بين الأصابع لا الألسنة: في رسمة بسيطة تحمل تفاصيل عالمه، في نظرة خافتة تحمل الكثير من العتاب، في انتظار طويل عند الباب، أو في صمت متكرر يخبئ وراءه حكايا لا تُروى.
قد تظن أن طفلك لا يدرك حجم حبك له، أو أنه لا يقدّر ما تبذله من أجله، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. ربما لم يقل ابنك: ”أحبك“ … بلسانه، لكنه ينتظرك عند الباب كل مساء، وعيناه تتعلّقان بكل طارق، ولا ينام حتى يسمع خطواتك، التي تمثل له لحن الأمان. وربما غالبه النعاس من طول الانتظار، فجاءك صباحًا بعيون تملؤها الحكايا والرجاء، وقال لك: ”انتظرتك، ولم تقرأ لي القصة التي وعدتني بها“، وكأنه يلومك بلطف على حرمان ليلة كاملة من دفء صوتك وحنان قربك. تلك هي لغتهم الصامتة التي لا يتقنها إلا من يملك قلبًا صافيًا يفهمهم.
قبل أن تغضب… انظر إليه في زحمة الحياة، وضغط المسؤوليات، قد تفلت منا أعصابنا، فنغضب ونصرخ، ونظن أننا نصلح ونقوّم. لكن في الحقيقة، غالبًا ما نكسر ولا نعلم. الطفل لا يخطئ دائمًا عن عمد، لكنه يُعاتب بصمت يمزّق الروح دون أن نشعر.
ينام ودمعة في طرف عينه، ليس لأنه أخطأ فعلاً، بل لأنك لم تلتفت إلى قلبه، لم تسمع صوته الخفي، أو لأن صراخك كان أقوى من أن يسمح لأي صوت في داخله أن يتكلم، فهل سكتنا قليلًا لنسمع ما كان يريد أن يقول؟ تلك الدمعة الصغيرة، التي تبدو لك مجرد ”دمعة طفل“، هي في الحقيقة جرح عميق ينزف في الروح.
قبل أن تغضب… خذ نفسًا عميقًا يهدئ من روعك. انظر في عينه البريئة التي ترى فيك الكون كله. تخيل لو أن هذا آخر ما تراه منه، آخر نظرة تبادلك إياها قبل أن يغادر، أو قبل أن تغادر أنت. هل تريد أن تكون آخر ذكرى له، أنك صرخت في وجهه؟
الأب الذي يُحيي لا يموت. الأبوة حنان وروح، لا سوطًا ولا سلطة. ليست قانونًا صارمًا لفرض الأوامر وتوقيع العقوبات… إنما هي حضنٌ ومدينة أمان. كن أنت المأوى الذي يحتويه، لا الشرطي الذي يحاسبه، ولا السجن الذي يحاصره. كن البلسم الذي يشفي جراحه لا الألم الذي يترك آثارًا دامية. إنّ لحظة الاحتضان وقت الخطأ، تلك اللحظة التي يرتكب فيها طفلك حماقة أو يزلّ لسانه، لا تُعلّمه فقط كيف يتصرّف، بل تُربّيه على الطمأنينة. إنها تزرع في روحه بذرة الأمان والثقة، التي تجعله يدرك أن الأخطاء جزء من التعلم، وأن الحبّ لا يتزعزع بسبب زلّة.
الأب الذي يحتضن طفله عند خطئه، يُعلّمه أن العالم ليس مخيفًا، وأن هناك دائمًا من يقف بجانبه، حتى عندما يُخطئ. اترك أثرًا طيبًا… قبل أن ترحل؛ فالحياة قصيرة، والوقت يمضي كالسحاب. الطفل لا يتذكر كم ربحت من مال، أو كم تركت له من ممتلكات. إنه يتذكر: كم حضنت، كم قبّلت، كم استمعت، وكم كنت حاضرًا في عالمه الصغير.
هذه اللحظات العابرة هي التي تتشكل في ذاكرته كنزًا لا يفنى، أثر خالدًا يبقى حتى بعد رحيلك ضع يدك على قلبه اليوم، امسح على شعره بحنان، قل له كلمة طيبة تغرس فيه الأمان، فربما لن تُمنح غدًا الفرصة لذلك لأنك لا تدري مَن الذي سيضعها هناك بعدك، ولا تعلم من سيتولى مسح دمعته حين تغيب. كل لحظة تمنحها له اليوم، هي استثمار في روحه، ستزهر في شخصيته غدًا.
لا تتذرّع بأنك مشغول. الطفل لا يفهم ”مشغول“، إنه يفهم غيابك عنه، عدم اهتمامك به، وإنه لست من أولوياتك. أنت في قلبه ”أبدي“ ما دمت تزرع فيه الحبّ. فلا تجعل الندم صورتك بعد موتك. اجعل مواقفك الطيبة ذلك النور الذي يبقى؛ حتى بعد رحيلك، اجعل نورك ذلك القمر الذي لا يغيب وإن توسدت التراب. فالطفل لا ينسى نورك وضياء مواقفك معه، إنه يثق بك فكن هكذا الآن ودائمًا قبل قطع التذاكر، أيها الأب… حتى بعد غيابك، سيبقى نورك في قلب طفلك إن زرعته الأن بحب.
سيبحث عنك في دعائه الخالص، في صورك الباهتة التي يحتضنها، في حضنه لطفله الصغير عندما يكبر. سيحاول أن يجد شيئًا ما يتذكرك به، أو أن يمنح أطفاله ما افتقده منك. فهل سيراك قمرًا ينير طريقه حتى بعد رحيلك، وهل سيستلهم من ذكراك كل جميل؟ أم سيراك ذكرى تُؤلمه كلما تذكّرك؟ ذكرى قسوة، أو غياب، أو إهمال؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتوقف على ما تفعله الآن. الأثر الذي تتركه في قلبه… هو نورك الذي سيبقى معه، أو ظلامك الذي يلاحقه.
في الختام نذكر، ربما لم يقلها بصوت… لكنه رسمها. رسمك قمرًا. فهل تحفظ هذا النور الذي منحتك إياه روحه الطاهرة… أم تتركه يتيمًا، وأنت لا تزال حيًّا؟ إنها دعوة صادقة لكل أب أن يُراجع حساباته مع أطفاله. ضع يدك الآن على قلب طفلك، قبل أن يبرد قبرك، وقبل أن يصبح الندم رفيقك الأبدي. تذكّر دائمًا… أنت لست مجرد أب… بل إنك أنت القمر.













