أعطِ الخبز لخبّازه: عن فلسفة الإتقان في زمنٍ يخلط المعرفة بصورتها
ليست الأمثال الشعبية عباراتٍ عابرة نجت من النسيان بخفة إيقاعها، إنما هي خلاصات إنسانية تكثّفت عبر الأزمنة حتى استقرّت في الوعي بوصفها معرفةً مختصرة بالحياة. فالمثل الحقيقي لا يعيش لقدمه، إنما يعيش لأنه يلامس شيئاً ثابتاً في التجربة البشرية؛ شيئاً يتكرر بأسماء مختلفة مهما تغيّرت العصور وتبدّلت الأدوات.
تتكثف هذه الفكرة بوضوح في المثل القائل: «أعطِ الخبز لخبّازه».
في ظاهره، يبدو المثل دعوة بسيطة لاحترام التخصص، غير أن طبقاته الأعمق تتجاوز حدود المهنة إلى سؤالٍ فلسفي يتصل بمعنى الإتقان، وبالعلاقة الخفية بين الإنسان وما يكرّس له عمره. فالخبز هنا يتجاوز حدود الرغيف؛ إنه الأثر الرمزي لكل عمل استوى على نار التجربة، ونضج بين يدي من عرفوا أسرار المادة من الداخل؛ يدٌ اختبرت حرارة النار، وصبر الانتظار، واللحظة الدقيقة التي يتحول فيها العجين من مادة خام إلى شيء يحمل أثر الحياة.
الخبّاز الحقيقي لا تصنعه الوصفات المحفوظة، ولا الخطوات المكررة بحذافيرها، إنما تصنعه تلك الخبرة التي تتسلل ببطء إلى الحواس حتى تصير جزءاً من طريقة الرؤية ذاتها. فالمهارة العميقة لا تكتمل بالمعرفة المجردة؛ إنها ثمرة الارتطام الطويل بالخطأ، والإصغاء لما لا تقوله الكتب، والانكسارات الصغيرة التي تمنح الإنسان بصيرةً تسبق قدرته على السيطرة. الأعمال المتقنة غالبًا أقل صخباً مما يتوقعه الناس؛ لأنها لا تحتاج إلى المبالغة في إعلان نفسها. فكل شيء ناضج يحمل داخله قدرًا من السكينة التي تمنحه ثقله الحقيقي.
الخبرة العميقة تترك في صاحبها قدرًا من التواضع. فكل اقتراب جاد من أي مجال يكشف اتساعه المربك، ويجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يجهله. وحده السطح يمنح يقيناً عجولاً، أما العمق فيورث بصيرةً قلقة، تتقدّم بحذر العارف بهشاشة الأحكام، وتدرك أن الحقيقة عصيّة على الانطباعات السريعة.
ويبدو المثل أكثر إلحاحًا اليوم؛ في عصر الوفرة المعرفية التي أنتجت، على نحوٍ ساخر، شكلاً جديداً من الفقر الفكري. فالمعلومات لم تعد نادرة، لكن الحكمة أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى. بضغطة واحدة، يستطيع الإنسان الوصول إلى آلاف الصفحات، غير أن هذا التدفق الهائل للمعرفة الخام خلق التباساً خطيراً بين امتلاك المعلومات وامتلاك الفهم، وبين الاطلاع العابر والخبرة التي تنضج عبر الزمن والأسئلة والتجربة.
امتلأ العالم بأصوات تتحدث بثقة كاملة عن كل شيء؛ في الطب، والنفس، والأدب، والفلسفة، والتاريخ، بينما تتراجع وسط هذا الضجيج أصوات الذين أمضوا أعمارهم في البحث والتجربة. فالمعرفة حين تتحول إلى مادة استهلاك سريعة، تفقد شيئاً من وقارها، ويصبح الأداء بديلاً عن الفهم، والانطباع السريع منافساً للخبرة التي احتاجت سنوات طويلة كي تنضج.
ولا يكمن الخطر في الجهل الصريح؛ فالتعلّم يمحو عتمته. إنما يطلّ الخطر من هذا الالتباس المربك بين المعرفة وصورتها، وبين الإتقان والاستعراض، وبين من صهرته التجربة حتى غيّرته، ومن اكتفى بالمرور السريع فوق سطحها ثم خرج منها متخيّلاً أنه امتلك جوهرها.
المجتمعات لا تتصدع حين يقلّ المتخصصون فحسب، إنما حين تتآكل الثقة بمعنى الخبرة ذاته، وحين يصبح الرأي مساويًا للتجربة، والصوت المرتفع أكثر تأثيرًا من العمل المتقن. عندها، تفقد الأشياء معاييرها الداخلية، ويتحوّل كل شيء إلى مساحة مفتوحة للادّعاء؛ مساحة يختلط فيها البريق بالقيمة، والظهور بالنضج، والقدرة الحقيقية بمهارة تقديم الذات.
المثل، في جوهره، دفاعٌ عن قيمة أخلاقية تسبق الدفاع عن التخصص: احترام الجهد الإنساني. فحين نمنح الخبز لخبّازه، نحن لا نكرّم شخصاً بعينه، إنما نكرّم الزمن الذي استُهلك للوصول إلى هذا المستوى من الإتقان؛ نكرّم الساعات الخفية، والمحاولات الفاشلة، والصبر الطويل الذي تحوّل بالتدريج إلى بصيرة.
ويمتد معنى المثل إلى ما هو أبعد من المهن والمهارات. فالحياة نفسها تكشف، مع الوقت، أن بعض البشر يملكون قدرة نادرة على حمل الأشياء دون كسرها؛ يعرفون كيف يمرّون في أرواح الآخرين بخفة لا تترك خراباً، وكيف يمنحون الطمأنينة دون ضجيج، وكيف يحافظون على المعنى حيًّا وسط عالم يستهلك كل شيء بسرعة قاسية.
الأشياء تبلغ اكتمالها حين تصل إلى الأيدي التي تعرفها حقًا.
وليست معضلة عصرنا في ندرة الخبّازين، وإنما في الضجيج الذي أوهم كثيرين أن الوقوف قرب النار يكفي لفهمها، بينما النار لا تمنح سرّها إلا لمن مسته حرارتها طويلًا.













