آخر تحديث: 16 / 5 / 2026م - 11:59 م

عن روح المكان.. وهل تندثر التخصصات أمام الآلة؟

عبير ناصر السماعيل *

أنا الآن في المبرز، في قلب الأحساء التي تسكنني قبل أن أسكنها. وبينما أمرّ بجانب أحد المطاعم، استوقفتني هذه اللوحة وكأنها ”رسالة في زجاجة“ وصلت في توقيتها تماماً لتجيب على سؤالٍ معلق.

فقبل يومين فقط، خضتُ حواراً عميقاً حول التخصصات التي يهددها الذكاء الاصطناعي بالاندثار، وكان ”الاتصال المؤسسي“ الذي أستعد لنيل شهادته الاحترافية قريباً بإذن الله؛ هو محور الجدل. حاول أحدهم إقناعي بأن الآلة ستتولى كل شيء، وأن لا سوق لمن يدير الاتصال في زمن الخوارزميات.

لكن هذه اللوحة التي تقف في ”المبرز“ لتخاطب ”أهل الهفوف“ كانت الرد الصامت والأبلغ على هذا الخلط الشائع.

يكمن لبّ الموضوع في أن الكثيرين لا يفرقون بين المبيعات، والتسويق، والعلاقات العامة؛ فيظنون أن العملية مجرد ”عرض وسعر“. وهنا تظهر الفجوة الكبرى: لقد قدم الإعلان العرض قبل أن يقدم الهوية. حاول مخاطبة المنفعة المادية قبل أن يكسب لانتماء للمكان، فكانت النتيجة اغتراباً سياقياً يكسر جسر الثقة مع المتلقي.

لو كان هناك ”تسويق“ حقيقي يدرس جغرافيا المجتمع وثقافته، و”علاقات عامة“ تتأكد من أن الرسالة تعزز الهوية ولا تنتهكها، لما رأينا هذا الكسر. غياب مدير الاتصال المؤسسي هو الذي سمح لهذه الأدوار بأن تتبعثر؛ فالآلة تمنحنا القالب والمادة، لكنها تظل ”عمياء سياقياً“ أمام هيرمينوطيقة الأرض ونبض أهلها.

الاتصال المؤسسي ليس مجرد وظيفة، بل هو المظلة التي تضمن أن تخرج الرسالة ناضجة، تحترم خصوصية المبرز وعراقة الهفوف. هو الوعي الذي يدرك أن كسب الوجدان يسبق طرح العروض، وأن الهوية هي الباب الحقيقي الذي تعبر منه المبيعات.

لن تندثر التخصصات التي تملك الروح، بل ستزداد قيمة أولئك الذين يديرون المعنى قبل إدارة المحتوى. فالمبرز لها صوت، والهفوف لها قلب، والآلة تظل تائهة أمام تفاصيل الانتماء.


كاتبة ومستشارة استراتيجية، تؤمن أن الوعي هو أول خطوة في بناء أي كيان ناجح، وأن ما لا يُفهم في الذات، لا يُصلح في المؤسسة