القراءة والتحصين الفكري
قد يكون من العسير جدًّا تحصين جيل الشباب الجديد من التيارات الفكرية المتلاطمة في عالم اليوم في ظل الانفتاح الرقمي الذي يلف العالم ولا يكاد يسلم منه أي بلد أو مدينة أو حتى منزل. ذلك أن الوصول إلى المعلومة أضحى سهلًا جدًّا، وهو رهن حركة بسيطة من إصبع اليد الواحدة، بل حتى من نطق كلمة واحدة لجهاز ذكي.
ولأن أبناء الجيل الجديد يفهمون في العالم الرقمي أكثر من غيرهم، فإنهم أكثر تعرضًا لكل جديد يطرح على الساحة الفكرية فيه، ومن ثم أكثر عرضة للتأثر به إذا ما أخذنا في الحسبان خلفياتهم الفكرية الدينية والوطنية المحدودة نسبيًّا. وهنا تقع المسؤولية على الوالدين والمدرسة والمجتمع كي يقللوا من آثار ذلك على الأبناء بعدة طرق، أبسطها تقديم بديل مناسب لهم، وهو أمر لا يخلو من صعوبة في ظل ضعف المحتوى العربي في الفضاء الرقمي، شكلًا ومضمونًا وحتى أسلوبًا، في حين ينبغي أن تكون هذه البدائل مناسبة لأعمارهم وبأشكال تناسب ذائقة كل شريحة منهم، وأن تواكب التطور التقني الذي لا يكاد يتوقف.
لكن السؤال المطروح هو: هل نمنعهم من الدخول إلى مواقع أو تطبيقات أو محتوى قد يؤثر فيهم؟ الإجابة بنعم لا تميل إليها النظريات الحديثة للتربية؛ لعدة أسباب، منها أن ذلك عسير التحقق في الجو الرقمي المفتوح، بل إن المنع ذاته قد يزيد فضول الشباب، ويجعلهم يبحثون بطرقهم الخاصة عما يريدون من معلومات، وهو ما قد يرجح كفة ما لا يريده الوالدان. وهنا يأتي دورهما في تعزيز حوار مباشر معهم مع انفتاح كبير في النقاش معهم، وتقبلٍ لما يطرحون بدون تشنج أو انفعال مهما بلغ ما يطرحون من ابتعاد عن أمور يعدها الأبوان مسلّمات لكنها أمور قابلة للنقاش عند الشباب عبر الإقناع، مبتعدين في ذلك عن الأسلوب التقليدي في تلقين الأفكار، وتقديم نماذج إيجابية محلية ناجحة تكون ملتزمة بأهداب الفكر الذي يتبناه الأبوان. كما ينبغي محاولة إثبات أن التقدم العلمي والتكنولوجي لا يعني بالضرورة تبني الأفكار الغربية، ولنا في بعض المجتمعات الشرقية، كاليابان والصين ويوغوسلافيا، أمثلة ناصعة في هذا الجانب حصراً.
وبناء عليه؛ فإن الرأي الراجح في مسألة التحصين هو ترك المجال للنشء الجديد بالانفتاح القرائي، مع مواصلة توجيههم، وعدم تقييد قراءاتهم، وهو ما يعالجه الكاتب القطري عبد الحميد الأنصاري حين يتحدث عن علاقة القراءة بالتحصين الفكري، فيقول: خلاصة تجربتي في القراءة أقولها للأبناء: «التحصين» كل التحصين إنما يكون في القراءة المنفتحة على كل الألوان والتيارات والمذاهب، «والمناعة» كل المناعة إنما تكون في تجاوز القراءة المذهبية والطائفية والأيديولوجية إلى القراءة المنفتحة على كل التجارب والرؤى والثقافات الإنسانية، لا طريق آخر في تقوية «المناعة» الفكرية، ولا وسيلة أخرى في تحقيق «التحصين» الثقافي المنشود. وهذا كله يتطلب تطوير تعليمنا ومناهجنا وخطابنا، التعليمي عامة والديني خاصة، بهدف تجاوز «الأحادية» في الطرح والتفكير والتوجيه، وقبول «التعددية» المذهبية والدينية والثقافية والفكرية عامة، من غير تجريح أو تشكيك أو تخوين أو تكفير... إنني اليوم عندما أجد نفسي منفتحًا على الآخرين، متصالحًا معهم ومع نفسي، لا أجد سببًا لذلك غير القراءة «المنفتحة» منذ الصغر. «تجارب الكتاب من القراءة إلى الكتابة، حسن آل حمادة، ص 293-294».
وهكذا فالخلطة السرية في التعامل مع الأبناء هي ”الانفتاح في القراءة مع محاورتهم، وتوجيههم، وإحاطتهم نفسيًّا، وإشباع عاطفي لهم“، لأن الانغلاق ببساطة سوف يخلق لهم بالضرورة صدمة في المستقبل حين يواجهون الانفتاح الرقمي أو الحقيقي مع الناس فيتفاجؤون بأسئلة جديدة لا قِبل لهم بها.
وينبغي أن يحصل هذا جنبًا إلى جنب مع بناء وتعزيز التفكير النقدي لديهم، بحيث يعي الشاب حين يقرأ أو يطلع على أي فكرة تصطدم بالمسلَّمات الدينية والوطنية «من قالها؟ ولماذا؟»، وأن يتمكن من تمييز الحقيقة من الرأي، والمعلومة من الدعاية. أي أن يتعلم الأبناء كيف يفكرون لا ما يفكرون فيه، وأن يكون لديهم وعي عميق بدينهم وقيمهم لا مجرد ممارسة عمياء للطقوس، وفهم واسع لمعنى انتمائهم للوطن وولائهم له دون تأثر بأي أبواق مشوشة أو محاولات لحرف توجهاتهم الوطنية.













