التخطيط بالسيناريو
الحكمة أن لا ننتظر المصيبة حتى تقع، ثم نبدأ بالصراخ والبحث عن الحلول وسط الارتباك؛ بل الحكمة أن نجلس قبل الحدث، ونتخيله بهدوء، ونقول: ماذا لو حدث؟ وكيف نتصرف؟ ومن يتصل؟ وأين نذهب؟ وما القرار الأول؟ وما الخطأ الذي يجب أن نتجنبه؟
هذا هو ما يمكن أن نسميه: التخطيط بالسيناريو؛ أي أن تضع الأسرة أو الأصدقاء أو الزملاء صورة افتراضية لحدثٍ محتمل، ثم يناقشون التصرفات الممكنة، ويقيّمونها، ويختارون منها الأهدأ والأحكم والأقل ضررًا. إنه تدريب للعقل قبل الأزمة، وتربية للنفس قبل الصدمة، وبناء لشخصية لا ترتبك عند أول ريح.
وقد علّمنا القرآن الكريم هذا المعنى في قصة يوسف
، حين لم ينتظر سنوات الجوع حتى تقع، بل وضع خطة قبلها: سبع سنوات إنتاج وادخار، ثم سبع سنوات استهلاك منظم، ثم عام فرج. قال تعالى:
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾ .
إنها ليست قصة نبي فحسب، بل درس إداري خالد: توقّع، ثم خطط، ثم تصرف.
تخيلوا عائلة في سفر خارج الوطن، وفجأة يُصاب رب الأسرة بعارض صحي وينقل إلى المستشفى. إن لم تكن الأسرة قد ناقشت هذا السيناريو من قبل، فقد تضيع الدقائق الأولى بين الخوف والبكاء والاتصالات العشوائية. أما إن كان الأب قد قال لأبنائه سابقًا: ”إذا حدث لي شيء، أول خطوة الاتصال بالطوارئ، ثم التواصل مع السفارة، ثم إرسال الموقع والعنوان، ثم الاتصال بفلان من العائلة“، فإن الخوف سيبقى خوفًا، لكنه لن يتحول إلى فوضى.
وتخيلوا أن أموال الأسرة سُرقت في السفر. هنا تظهر قيمة السيناريو السابق: لا تحمل كل الأموال في مكان واحد، لا تجعل البطاقات كلها في حقيبة واحدة، لا تخرج بمظهر مبالغ فيه يستدعي أنظار اللصوص، اجعل نسخة من الجوازات في الهاتف والسحابة، وضع مبلغًا احتياطيًا في مكان مستقل. هذه ليست مبالغة في الخوف، بل عقلٌ يحرس النعمة.
وماذا لو كان السائق في طريق سفر طويل، ثم أغمي عليه أو شعر بدوار شديد؟ هل يعرف أحد الأبناء كيف يوقف السيارة بأمان؟ هل يعرفون رقم الطوارئ؟ هل اتفقوا أن السائق لا يكابر عند التعب؟ وأن التوقف نصف ساعة خير من ندم طويل؟ قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ ، ومن التهلكة أن نسافر بلا احتياط، ونغامر بلا تقدير.
ومن أجمل السيناريوهات التي يجب أن تُعلَّم للأطفال: ماذا تفعل إذا تهت في مجمع تجاري أو حديقة حيوان أو مدينة ألعاب؟ لا تخرج إلى الشارع، لا تمشِ مع غريب، اذهب إلى رجل الأمن، أو إلى مكتب الاستعلامات، وقل اسمك ورقم والدك. علّم الطفل أن الهدوء شجاعة، وأن طلب المساعدة من الجهة الصحيحة وعيٌ لا ضعف.
بل يمكن تطبيق ذلك في البيت أيضًا: ماذا لو اندلع حريق بسيط؟ ماذا لو انقطع التيار؟ ماذا لو طرق الباب شخص غريب؟ ماذا لو تعرض أحد الأبناء لتنمر في المدرسة؟ ماذا لو تأخر السائق؟ ماذا لو فقد الهاتف؟ هذه الأسئلة الصغيرة تصنع عقلًا كبيرًا، وتحوّل الأبناء من متلقين ينتظرون التعليمات إلى شخصيات تفكر وتقرر وتتصرف.
وفي الحديث الشريف: «اعقلها وتوكل»؛ أي خذ بالأسباب ثم سلّم الأمر لله. فالتوكل لا يعني إهمال الحزام ثم الدعاء بالسلامة، ولا ترك التخطيط ثم انتظار المعجزة. وكان من حكمة الإمام علي
قوله: «قيمة كل امرئ ما يحسنه»؛ ومن أعظم ما يحسنه الإنسان أن يحسن التصرف وقت الشدة.
إن من الخطأ أن يظن بعض الآباء أن الحديث مع الأبناء عن المخاطر يخيفهم. الصحيح أنه يطمئنهم؛ لأن الطفل الذي يعرف ماذا يفعل عند الخطر أقل رعبًا من طفل لا يعرف إلا البكاء. والزوجة التي تعرف الخطة عند الطارئ أكثر ثباتًا من زوجة تُترك وحدها أمام المجهول. والأسرة التي تتدرب بالكلام قبل الحدث، لا تنهار عند أول اختبار.
غلطان من لا يجعل ”نظام السيناريو“ جزءًا من حديثه مع أطفاله وأهل بيته. اجعلوا في جلساتكم العائلية سؤالًا لطيفًا: ماذا لو حدث كذا؟ ثم افتحوا باب الحوار، واسمعوا من الأبناء، وصححوا بهدوء، وامدحوا الفكرة الجيدة. فهنا لا نعلّمهم الخوف، بل نعلّمهم القيادة؛ ولا نزرع القلق، بل نزرع الحكمة.
فالأسرة الواعية لا تنتظر الأزمة لتتعلم، بل تتعلم قبل الأزمة؛ حتى إذا وقع الحدث، وجدت في داخلها عقلًا حاضرًا، وقلبًا ثابتًا، وخطة تمشي على الأرض بثقة. هكذا يصبح التخطيط عبادة عقل، وحماية أسرة، وصناعة إنسان لا يفزعه الموقف؛ لأنه فكّر فيه قبل أن يطرق بابه.













