آخر تحديث: 19 / 5 / 2026م - 2:21 ص

من عبق الماضي: حلي وزينة نساء القطيف

حسن محمد آل ناصر *

ارتبطت الزينة والحُلي في مجتمع القطيف قديمًا ارتباطًا وثيقًا بالحياة الاجتماعية والاقتصادية، فلم تكن الحلي مجرد وسائل للتجمل، بل كانت جزءًا من شخصية المرأة القطيفية وهويتها الشعبية، وعلامة على الذوق والمكانة الاجتماعية، كما كانت تمثل نوعًا من الادخار وحفظ المال في زمن كانت فيه النساء يقتنين الذهب والفضة كما تقتني الكنوز النفيسة.

وقد ساعد موقع القطيف البحري وكونها محطة تجارية نشطة على ساحل الخليج العربي، في تنوع أشكال الحلي والزينة، إذ تأثرت بما كان يرد إليها من البحرين والهند والبصرة والأحساء وغيرها من موانئ الخليج.

وكانت نساء القطيف يولين الزينة عناية كبيرة خاصة في الأعراس والأعياد والمناسبات الاجتماعية، فتتزين المرأة بأجمل ما تملك من الذهب واللؤلؤ والفضة، وتحرص على الظهور بأبهى صورة تعكس فرحة المناسبة ومكانة الأسرة.

وكانت بعض الحلي تصاغ محليًّا على أيدي صاغة مهرة في أسواق القطيف القديمة، فيما كان بعضها الآخر يجلب من الخارج، الأمر الذي أكسب الحلي القطيفية طابعًا مميزًا يجمع بين الذوق المحلي والتأثيرات الخليجية والهندية.

ومن أشهر حلي الرأس والشعر عند نساء القطيف ”الطاسة“ وهي قبة ذهبية مستديرة توضع في وسط الرأس وتتدلى منها سلاسل تغطي الجبهة في منظر بديع يلفت الأنظار، إلى جانب ”الهامة“ التي تثبت فوق الرأس وتتفرع منها سلاسل ذهبية تنسدل على جانبي الوجه، وبيت القرآن الذي يعرف في بعض القرى باسم ”الهيكل“ أو ”الهيشل“، كما عرفت النساء أنواعًا أخرى من زينة الشعر كالمشابك والمعلقات الذهبية التي تزين الضفائر وتمنح المرأة حضورًا مهيبًا في المناسبات.

أمّا الرقبة والصدر فكان لهما النصيب الأوفر من الحلي؛ ومن أشهرها ”المرتعشة“ وهي من أفخم قطع الذهب وأكثرها حضورًا في الذاكرة الشعبية القطيفية، وتتكون من قلادة عريضة وثقيلة تغطي مساحة واسعة من الصدر، وسميت بهذا الاسم لما تحدثه من اهتزاز خفيف مع حركة المرأة.

وكذلك عرفت ”المنثورة“ وهي قلادة متعددة السلاسل تتوسطها زخارف وفصوص ذهبية، و”الخانق“ الذي يلتصق حول العنق بإحكام، إضافة إلى ”اللازم“ وهو عقد طويل يمتد حتى البطن وغالبًا ما يصاغ من الليرات والجنيهات الذهبية المتراصة.

وفي الآذان تزينت المرأة القطيفية بـ ”التراجي“ أو ”التراكي“ والبعض يسميها ”الحلق“، وهي أقراط ذهبية متدلية تعد من أوائل الهدايا التي تقدمها الأمهات لبناتهن أو العريس لعروسه، إلى جانب ”الكواشي“ وهي حلقات دائرية مزخرفة بدقة متناهية تعكس براعة الصاغة القدامى، فبعض الأقراط ترصع بالأحجار الملونة أو اللؤلؤ الطبيعي الذي اشتهرت به منطقة الخليج.

أمّا اليدان والمعصمان فقد ازدانا بأنواع متعددة من الأساور والبناجر، ومن أشهرها ”بناجر حب الهيل“ ذات النقوش البارزة المشابهة لحبات الهيل، و”بناجر رولكس“ التي اشتهرت بتفاصيلها الدقيقة المشابهة لتصاميم الساعات الفاخرة، و”حب البنك“ الذي يتكون من كرات ذهبية متصلة، إضافة إلى ”المرمى“ وهي أساور ناعمة مصقولة تخلو من النقوش البارزة وتمتاز ببساطتها وأناقتها.

وللأصابع أيضًا نصيبها من الزينة، حيث عرفت نساء القطيف أنواعًا متعددة من الخواتم، ومن أبرزها ”خاتم الشاهد“ الذي يلبس في السبابة ويأتي غالبًا بحجم كبير وزخرفة بارزة، و”خاتم منقار“ الذي يمتاز بطرف مدبب يشبه حبة اللوز، وكانت بعض الخواتم تزين بالأحجار الكريمة أو العقيق بينما تصاغ أخرى من الذهب الخالص بنقوش دقيقة.

أمّا القدم فقد تزينت ”بالحجل، والخلخال“ وهو سوار ذهبي أو فضي يلبس حول الكاحل ويصدر رنينًا خفيفًا عند المشي، وكان من أكثر الحلي التصاقًا بالمرأة الشعبية في القطيف والخليج، وقد ارتبط صوت الخلخال في الذاكرة الشعبية بالأنوثة والفرح وأجواء الأعراس.

ولم يكن اللؤلؤ بعيدًا عن زينة المرأة القطيفية، فالقطيف جزء من بيئة الخليج المعروفة بالغوص واستخراج اللؤلؤ الطبيعي، ولهذا احتلت العقود اللؤلؤية مكانة كبيرة بين النساء، إذ كانت رمزًا للثراء والوجاهة الاجتماعية، وكانت بعض الأسر تتوارث عقود اللؤلؤ جيلًا بعد جيل ضمن مقتنيات العائلة الثمينة.

كما ارتبط الذهب بالعادات الاجتماعية ارتباطًا وثيقًا، فكان جزءًا أساسيًّا من جهاز العروس، وتحرص الأسر على اقتنائه لبناتها منذ الصغر، وكانت العروس القطيفية تتزين ليلة زفافها بأثقل ما لديها من حلي، فتلبس الأطقم الذهبية المتعددة، وتضع الحناء وتتعطر بالبخور والعطور الشرقية، في صورة تعكس الفرح الشعبي القطيفي بكل ما يحمله من بهجة واحتفاء.

وقد استخدمت بعض النساء الفضة إلى جانب الذهب، خاصة لدى الطبقات الشعبية أو في الأزمنة التي كان فيها الذهب مرتفع الثمن، كما استخدمت الأصداف والخرز واللؤلؤ في بعض أشكال الزينة المتأثرة بالبيئة البحرية والزراعية التي عاشها أهل القطيف، وانعكست عناصر النخيل والبحر والأزهار على كثير من النقوش والزخارف التقليدية التي تميزت بها الحلي القديمة.

وكانت أسواق القطيف القديمة مثل سوق الخميس وسوق مياس وسوق الشريعة، تضم عددًا من محالِّ الصاغة الذين عرفوا بإتقان صناعة الذهب وحفظ التصاميم التراثية المتوارثة، وكانت تلك الأسواق تمثل ملتقى للنساء في مواسم الأعياد والأعراس لاقتناء الحلي أو إصلاحها وتبديلها.

ومع تغير أنماط الحياة الحديثة بقيت الحُلي القديمة حاضرة في ذاكرة المجتمع القطيفي، تحتفظ بها العائلات باعتبارها إرثًا عائليًّا وتراثًا اجتماعيًّا يروي حكايات الجدات والأمهات، ويعكس ما امتازت به المرأة القطيفية من أناقة وذوق واعتزاز بالموروث الشعبي، ولذلك فإن حلي نساء القطيف ليست مجرد زينة عابرة، بل سجلًّا ثقافيًّا واجتماعيًّا تختزن فيه ملامح الحياة القديمة وعبق الزمن الجميل.