انحاش المعرس
في تلك السنوات، قبل عدة عقود من الزمن، كان الزواج يبدأ قبل موعده بشهر كامل وربما أكثر.
البيت يتغيّر بالتدريج دون أن ينتبه أحد للحظة التي يتحول فيها من بيت عادي إلى بيت عرس.
الرجال والجيران والأقارب يدخلون بشكل يومي والأحاديث تمتد من بعد صلاة المغرب إلى آخر الليل والنساء يتسامرن في مجلس الحريم وأكياس الأرز تُصفّ قرب الجدار لتجهّز بعد ذلك لطبخها والذبائح تُحجز مبكرًا وحتى ”الذبّاح“ يكون له موعد معروف قبل المناسبة بأيام.
وكانت أم ”رضا“ تمشي تلك الفترة بوجه آخر… وجه أُمّ تنتظر أن ترى ولديها عريسين في ليلة واحدة.
الأكبر ”سامي“ سيتزوج ابنة خاله الكبرى. والأصغر ”رضا“ سيأخذ أختها.
العائلتان تعرفان بعضهما منذ عمر البحر اضافة للقرابة التي بينهما والناس كانوا يرون أن الأمور ”ماشية زين ما زين وعلى أكمل وجه“ حتى إن بعض الحاضرين صاروا يقولون وهم يشربون الشاي.
— ”هذي الزواجات اللي تردّ الروح وتبسط القلب… الله يبارك ليهم ويتمم عليهم بخير.“
وحده ”رضا“ …كان كلما سمع هذه الكلمات يشعر أن شيئًا داخله يبتعد.
ليس من البنت. ولا من الزواج نفسه.
إنما من تلك الحياة التي تتحرك نحوه بسرعة بينما قلبه واقف في مكان آخر لا يعرف ما يسمّيه.
حتى ثوبه الأبيض…فصّله على مضض.
كأن القماش كان يعرف قبله أنه لا يشبهه.
قبل الزواج بثلاثة أيام، صار البيت مزدحمًا بطريقة تجعل الإنسان يضيع حتى من نفسه ومن فرحة الناس ومسترتهم.
في المجلس الرجال جالسين على الفرش الأرضية ”الدواشق“ والشاي والقهوة ضيافتهم وأحد الأعمام يصرّ للمرة العاشرة أن رز ”العنبر“ ما هو مثل أول بينما يرد عليه آخر:
— ”البشاور أزين وأطعم.“
وفي الطريق بين البيوت في الفريق… قدور اللحم الكبيرة فوق النار وجذوع النخل والسعف تشتعل تحتها والدخان تشوفه يصعد شوي شوي والروائح تملأ الفريق كله حتى تشعر أن الهواء نفسه جوعان.
أما الداخل…فكان عالمًا آخر.
الخالات والعمات منشغلات بترتيب الذهب والزينة والثياب وحاجات الجلوة والأمهات يوزعن المهام بدقة.
— ”لا تنسون بيت أم فلان.“
— ”هذي الصحون تروح أول.“
— ”ودّي ويا الصحن شوية فاكهه.“
وفي وسط كل هذا…كان رضا يختفي كثيرًا.
مرة فوق السطح. ومرة قرب باب البيت.
ومرة يجلس وحده عند الخزان يطالع الظلام الطويل كأنه ينتظر أحدًا بعد ما جا.
حتى سامي انتبه له.
وقبل ليلة العرس بساعات جلسا وحدهما في طرف داخل البيت. كان سامي يحرك مسباحه ببطء بينما ظل رضا ساكتًا مدة طويلة.
ثم قال فجأة..
— ”تحس الواحد أحيان يعيش عمره كله وهو يجامل؟“
ضحك سامي..
— ”كل الناس تجامل.“
هز رضا رأسه..
— ”لا… مو كذا.“
وسكت.
ثم أكمل بصوت منخفض:
— ”أقصد يجامل لين يضيع وما يعيش حياة يبغاها.“
هذه المرة…لم يضحك سامي.
جاء الليل أخيرًا.
ليلة الزواج. البيت ممتلئ بالناس والأطفال يركضون فرحين بين الرجال وأحد الصغار تعثر بصحن جح بارد كان رايح للمجلس فطارت ”فلوح الجح“ فوق ثوب رجل كان يسولف ويضحك وتحولت السالفة كلها إلى موجة ضحك خففت توتر الليلة دقائق قليلة.
أما رضا…فكان داخل الغرفة.
واقفًا أمام المرآة منذ وقت طويل.
الثوب الأبيض عليه. والغترة البيضاء فوق رأسه. والعقال مرتب عدل.
لكن وجهه…لم يكن وجه عريس.
دخلت أمه عليه بفرحتها.
وقفت عند الباب أولًا ثم اقتربت منه بفرحة أم.
كانت تنظر إليه كما تنظر الأمهات لأولادهن حين يمر العمر كله فجأة أمام أعينهن.
رفعت يدها وعدلت طرف الغترة ثم تهللت وهي تقول..
— ”ألف الصلاة والسلام عليك يا رسول الله محمد… الله يحفظك يا عمري.“
ثم ابتسمت بعينين متعبتين من الفرح:
— ”الليلة فرحتنا يا رضا… الليلة يفرح قلب أبوك.“
هنا تحديدًا…شعر أن صدره امتلأ بشيء ثقيل. شيء ما تعرف كيف توصفه.
كأن بابًا أُغلق داخله دفعة واحدة.
قال بسرعة..
— ”يمّه… باروح شوي وبرجع.“
ضحكت:
— ”الحين؟ وين يا ولدي؟“
— ”دقايق بس.“
خرج. بثوبه فقط.
لا بشت. لا غترة. لا عقال.
حتى هو نفسه لم يكن يعرف إن كان يهرب من الزواج…
أو من الحال الذي سيصبحه بعد تلك الليلة.
بعد ساعة تقريبًا…
كان جالسًا في غرفة ضيقة داخل سكن جامعي عند صديقه ”نادر“.
المروحة تدور بتعب في السقف والنافذة نصف مفتوحة على رطوبة الليل.
فتح نادر الباب وما أن رآه بالثوب الأبيض اتسعت عيناه..
— ”لا تقول سويتها!“
دخل رضا وجلس على الأرض مباشرة..
— ”تكفى… لا تعلّم ولا تكلّم أحد.“
أغلق نادر الباب بسرعة.
جلس مقابله يطالعه طويلًا ثم قال..
— ”البيت والديرة الحين مقلوبة فوق تحت.“
مسح رضا وجهه بيده:
— ”أدري.“
— ”ترجع؟“
رفع رأسه نحوه.
ولأول مرة ظهر التعب الحقيقي في عينيه.
قال بصوت خافت..
— ”إذا رجعت الليلة… ما أظن برجع لنفسي مرة ثانية.“
سكت نادر.
حتى المزح لم يجد طريقه هذه المرة.
في الخارج.. كانت الجامعة هادئة والممرات شبه فارغة والدنيا بعيدة جدًا عن بيت ما زالت قدور اللحم فيه مستوية وناضجة بانتظار عريس اختفى دون أثر.
أما هناك…فلم يكن أحد يعرف أين ذهب.
الأب يحاول أن يبدو متماسكًا أمام الناس.
الأم تنتقل بين الغرف كأنها تبحث عن ابنها داخل الجدران نفسها.
والناس بدأت تفسّر الغياب على هواها:
— ”يمكن صار له شيء.“
— ”يمكن شوية وبيرجع.“
— ”يمكن أحد قال له كلام.“
— يمكن ويمكن!!
أما سامي…فكان الوحيد الذي بقي ساكتًا طوال الوقت.
جالسًا في طرف المجلس يحرّك مسباحه ببطء وكأنه تذكّر فجأة تلك الكلمة التي قالها له أخوه عصرًا…
”يجامل لين يضيع.“
ومنذ تلك الليلة…تحولت الحكاية إلى سالفة قديمة تتكرر كلما اجتمع من حضر الزواج أو سمع عنه. وكل واحد يرويها بطريقته.
عدا أم رضا…فهي وحدها بقيت كلما سمعت أحدًا يضحك ويقول..
— ”تتذكرون ليلة انحاش المعرس؟“
تلتفت نحو الباب للحظة قصيرة…
كأن ولدها خرج قبل قليل وقال لها.. ”دقايق بس… وبرجع.“













