دروب الزلق
مسلسل «درب الزلق» قطعة عمل درامي فني جميل وهادف، ولامست وما زالت تلامس قلوب ومشاعر أغلب أبناء الخليج؛ لكون المسلسل يعكس صورة ولوج عدد منهم في عوالم ودروب عدة بعد تدفق ثروات النفط وطفرات اقتصادية تنموية صُبّت في جيوب قطاع عريض من سكان الخليج. والمسلسل ركز على نقاط منها «يُتْم» بطل المسلسل وسوء علاقة البطل حسين بخاله المُتسلط «قحطة». ومع هبوط ثروة مالية مفاجئة بسبب نزع ملكية بيت أهل البطل «بن عاقول»، أدّى ذلك إلى خوض بطل المسلسل لدراما ومغامرات تجارية غير محمودة العواقب. وأدّى كل ذلك إلى إفلاسه في نهاية المطاف بعد خوضه لتجارب عدة صيغت بقوالب كوميدية سلسة وجميلة وهادفة وفذة. وصاغ كاتب سيناريو المسلسل صورًا عدة لسلوكيات بعض البشر بأحداث درامية مختلفة قبل وبعد الطفرات المالية؛ فمنهم من بعد نزول ثروة مالية عليه غامر بولوج مختلف أصناف عالم التجارة، ومنهم من تعلق بالزواج المتعدد حتى خارج الحدود، ومنهم من تخبط في خوض تجارب عدة مشاريع، ومنهم من توسع في تجارته، ومنهم من وسع على أبنائه في بيته وأكله وسفره، ومنهم من أعرض عن ذلك كله بحجج واهية متنوعة، وأضحى أسير ذكرياته ومنفصلًا عن واقعه ومستقبله.
جملة اعتراضية - لطفًا مشاركتي بقراءة سورة الفاتحة وإهداء ثوابها لأبطال ذلك المسلسل الأشهر خليجيًا، لاسيما الفنان الراحل عبدالحسين عبد الرضا «بو عدنان» والفنان الراحل عبدالله النفيسي «بوصالح»، والدعاء إلى الله بإطالة أعمار من تبقى من أولئك الفنانين المهذبين الوقورين.
هذا المقال يتعرض لموضوع أهمية الحوار داخل الأسرة.
رواد حقول التربية الحديثة يصنفون الحوار الأسري على أنه مفتاح الأمان النفسي للأفراد داخل الأسرة لاحتوائهم وتمتين العلاقة بينهم وإذكاء روح الانتماء فيما بينهم. فأضحى ملموسًا أن الأسرة التي يسودها الحوار الهادئ والتواصل الفعال تُنشئ أفرادًا أكثر رصانة وطمأنينةً وثقةً بأنفسهم وطموحًا وتفاؤلًا. وأن القاعدة القرآنية:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]
يجب أن توضع نصب العين.
بالمجمل، الإنسان يحتاج إلى من يُعيره سمعَه وفهمه واهتمامه وتفاعله ويحتويه لكي يشعر بالاحتواء. يجب أن توفر كل تلكم الأجواء داخل البيت الأسري الواحد، وأن يجد الأبناء داخل البيت مساحة للتعبير عن مشاعرهم دون خوف أو وجل أو تحسس أو تقريع أو جفاء أو تهكم أو عدم اهتمام أو قسوة أو جلافة؛ لكي ينمو لديهم الشعور بالانتماء والاحتضان والأمان النفسي والاستقرار والحنان والتعاطف.
فالحوار الأسري ليس ترفًا فكريًا أو دلالًا ماصخًا أو مجرد تبادل للكلام المملوءة بالمجاملات أو تراشق الاتهامات بوجهات النظر لتسجيل مواقف أو جعلها ساحة عناد ومناكفات، بل هو في أصله جسر للمحبة والتفاهم والاحتواء والانتماء، ووسيلة لتشخيص العقبات وعلاج المشكلات وتقوية الروابط بين أفراد الأسرة الواحدة. ولنتذكر أن الكلمة المنفرة قد تُحدث شقاقًا وقطع رحم؛ كما أن الكلمة الطيبة داخل المنزل قد تصنع نفسًا مطمئنة وقلبًا سعيدًا وروابط قوية وتفاهمات متينة.
إذا كنت أبًا/أمًا مؤصّلًا/مؤصّلةً للحوار النافع داخل بيتك، فإنك ستجني الثمار التالية وأكثر:
• تعزيز الثقة والمحبة بين أفراد الأسرة.
• تقوية العلاقة بين الآباء والأبناء.
• تقليل الخلافات وسوء الفهم حتى بعد رحيلك.
• تنمية الاحترام وحسن الاستماع والتنازل بين الأعضاء.
• إشعار كل فرد بقيمته داخل البيت وتعميق عطاء الحماية لبعضهم البعض.
أدوات فعالة في التواصل داخل البيت الواحد:
«من حسن خلقه ولانتْ كلمته كثر محبوه وأعوانه وأتباعه»، الإمام علي
.
«مَن لانَت كلمتُه وَجَبَت محبّتُه»، أمير المؤمنين الإمام علي
.
«قولوا للناسِ حُسنًا»، الإمام الصادق
.
في زمن الانشغال وكثرة الأجهزة، أصبح الحوار الأسري حاجة أساسية وليس ترفًا لبناء بيتٍ متماسك دافئ، فربما كلمة طيبة وإصغاء جاد وفن احتواء تغيّر نفسية إنسان بالكامل لتجعل منه شخصًا معطاءً أو مبادرًا أو متفائلًا أو صانعًا للمعروف أو مدافعًا عن حقوق أهل الخير أو باذلًا للخير. فقديمًا قال الأجداد: «من لاحظت عنزتها جابت له توم؛ ومن أهملت عنزتها راحت بعيدة تهوم».
جفاف الاتصال الأسري لاسيما في المدن الكبرى، حيث عروض الترفيه والإغراء المتنوعة، معضلة عصرية للأب والأم الحريصين على تربية الأبناء. وزاد الطين بلة تكاثر عدد حاملي أجهزة الاتصال الذكي كالجوال واللاب توب، وانتشار استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وإسفافات محتوى الكثير من تطبيقات التواصل الاجتماعي الرقمي والسوشل ميديا. فأصبح عدد كبير من الناس يلجأ إلى الذكاء الاصطناعي للاستشارة والحديث والتسكع، وأخذ عدد كبير من الناس يعقد صداقات مختلفة التوجهات والنطاقات دون حسيب أو رقيب من أهله. والكثير يتابع مقاطع فيديو ضررها أكثر من نفعها. فهذا خطٌّ يصنع المتطرف، وهذا محتوى ينمي الفاسد، وهذا محتوى يغذي المنحرف بجرعات زائدة.
أضحى لزامًا أن يتفنن الأب وتتفنن الأم في كسب واكتساب قلوب وعقول أبنائهم عبر الإصغاء الذكي والحوار الراشد والاحترام المتبادل؛ لحفظ الأبناء من دروب الزلق المتكاثرة في هذا الزمان.














