من رماد التجارب «1»
التجارب تضرب بجذورها في منطقة الوعي والإدراك في عقولنا، وتمدّنا بتصوّر أوضح لإصدار القرارات، فكثير من الأحيان تكون نظرتنا قاصرة وغير ملِمّة بمفهوم أو أمر معين لأي سبب كان، ولكن مع النضج والتكامل في الفكر، بفعل التقدّم في العمر وامتلاك تجارب مختلفة، تتبدّل تلك النظرة وتتغيّر بسبب طريقة فهمنا للحياة والناس وعُرَى العلاقات الاجتماعية والأسرية، فالأحداث والعناصر الدخيلة والمؤثرة فيها لا تختلف، ولكن النظر من زاوية ضيقة نتج عنه تصوّر غير دقيق، ولكن مع امتلاك نظرة متأنية - ملؤها الحكمة والبصيرة - استطعنا أن ندقق النظر الفكري ونصدر حكمًا دقيقًا، فمن عوامل التكامل والرقي الفكري التخلّص من التأثير القوي للجانب العاطفي والوجداني في التعاطي مع المواقف والأحداث، فتلك الأمور التي كانت تسبب لنا تأزّمًا وضيقًا نفسيًا بسبب كلمة جارحة أو تعامل قاسٍ، فننهار بعدها ونلوذ بالقهر والبكاء، تغيّر المشهد تمامًا وأصبحت الذاكرة والنفس تمر مرور الكرام مع تلك الصدمات والأحداث الساخنة، وما عادت إلا مجرد مواقف عابرة لا تستحق الاهتمام بها، فالتوقف عند مواقف الناس وكلماتهم وحواراتهم غير العقلائية أو غير المقبولة لا تدخله في حوارات ساخنة واحتكاكات انفعالية، فقد بدأت نفسه تنضج وبدأ عقله يمتلك صفة الرشد، بما أفضى إلى التعامل الواقعي مع مختلف المواقف والأحداث، بما لا يُعرقل مسيرَه نحو تحقيق أهدافه ولا يسلبه حالة الطمأنينة والهدوء النفسي، فمن هنا تبدأ هذه الدروس الحياتية «التجارب» تؤتي أُكُلها وثمارها بنضجه الداخلي وتبلور الحكمة، وذلك حين يدرك الإنسان أن الحياة لا تستحق ذلك الإفراط في التعلّق ولا ذلك الاستنزاف الطويل للمشاعر واجترار اللحظات الصعبة والقاسية.
متى ما فهمنا السنن الإلهية في الحياة استطعنا التخلّص من ثقل الهموم والقلق النفسي المصاحب لمحطاتها الصعبة وأزماتها، فالدنيا لا تصفو مشاربها ولا تحلو أيامها على طول الخط لأحد، كيف والمتاعب والمشقة جزء أساسي من طبيعتها وحقيقتها ولا يوجد هناك من استثناءات، فالظروف لا يمكن التنبّؤ بظهورها ولا اختفائها، وكثير من الخطوات تتبدّل وتتغيّر بحسب المعطيات على أرض الواقع، فكم من مصيبة ظن الإنسان أنها النهاية ثم اكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية لنضجه، وكم من خسارة أبكته طويلًا ثم فهم لاحقًا أنها أنقذته من ضياع أكبر!
فالحياة لا تسير وفق رغباتنا دائمًا، ولا يمكن إصدار صك الضمان بتحقق النتائج، بل تسير وفق حكمة إلهية قد تخفى علينا في لحظات الألم لكنها تتجلى مع الزمن وتقادم الأيام.
وهل معنى ذلك أن نعيش حالة الجمود وبرود المشاعر تجاه الظروف الحياتية والمواقف المستجدّة في حياتنا دونما حِرَاك؟
هذا الفهم خاطئ، وإنما علينا أن نحيا بحالة التوازن العقلي والنفسي مهما تبدّلت المشاهد والأحداث، فالنضج الحقيقي ليس في الهروب من تحمّل المسئوليات، بل في إدراك أن كل ما سوى الله تعالى قابل للغياب والتبدّل، فالطمأنينة العميقة تنشأ من تعلّق القلب بالله تعالى؛ لأنه الثابت الذي لا يتغيّر والباقي الذي لا يزول، أمّا ما عداه فجميل بقدر ما يقرّب الإنسان إلى المعنى لا بقدر ما يمنحه وهم الخلود، ومن فهم هذه السنّة عاش أكثر سكينة وأقل انكسارًا أمام تقلّبات الأيام.













