آخر تحديث: 21 / 5 / 2026م - 6:20 م

حبر على ورق

عبد الرزاق الكوي

الجانب المعلن دائمًا من سياسة القوى العالمية الاستحواذية، وطريقها للاستحواذ ضد سيادة الدول، هو تشدقها بحقوق الإنسان والحريات وحقوق المرأة ومحاربة الإرهاب ومكافحة الفقر وغيرها من المسميات الكثيرة الجاهزة للاستعمال، وجميع تلك المسميات على أرض الواقع منتهكة حين تتعارض مع تطلعات غير مشروعة وقرارات غير إنسانية من تلك القوى العالمية داخل تلك المجتمعات.

تلك المسميات لها بعض المصداقية، وكثيرًا ما تُنتهك تلك الحقوق وتُقمع بعض الحريات الإنسانية، أما خارج تلك المجتمعات فكل الكلام عن حقوق الإنسان وغيرها من الحقوق هو مجرد أحلام؛ فقد شُنّت حروب انتهكت فيها أبسط حقوق الإنسان وكرامته، وأُهدرت كرامة الإنسان على مرأى العالم بدون أن يرف جفن، وكل ما يحدث مجرد كلام يخدم مصالح شعارات مسبوقة. كل يوم تظهر نظريات في العدالة ومصطلحات جديدة لصالح حقوق الإنسان، وأطروحات وإن كانت في حقيقتها صادقة وكتاباتها تلامس المشاعر، لكنها ليس لها تنفيذ على أرض الواقع. ويكمن العيب في تضارب تلك النظريات مع واقع السياسة العالمية الذي تعارضه تلك النظرية، وتلك القوى أساسًا تعارض جميع الشرائع السماوية والأعراف الدولية والأخلاق الإنسانية.

اليوم لا صوت يعلو على صوت القوى وأنين الحروب بجميع أشكالها وأنواعها، ويُفرض بذلك على العالم التحكم في القرارات الدولية لخدمة مصالح أحادية ضيقة، وتتقلص يومًا بعد يوم لتصب في مصلحة قوى عالمية تسعى للسيطرة على الاقتصاد العالمي، فالقرار هو كم النسبة للقوى العالمية، وإذا وجد بعض الفتات فللدول المستهدفة.

السياسة المعاصرة للقوى المهيمنة هي إيجاد عدو جديد لاستمرار مشروعها الاقتصادي وفتح الأسواق العالمية لتسويق منتجاتها وعتادها العسكري، الذي بالطبع يخدم هذا المشروع بإشعال الحروب والاستحواذ على ما بباطن تلك الدول من خيرات، ولهذا فإن لكل صراعات العالم يدًا في إشعالها ويدًا أخرى للتدخل لتحقيق أهداف مرسومة مستقبلًا لهذا الصراع، صراع مع الشيوعية أو فوبيا الإسلام والإرهاب وغيرها من مسميات تُبقيه حاضرًا، وتُبقي الدول ضعيفة منقوصة السيادة وتزداد ترديًا اقتصاديًا، بتفتيت وحدتها وإثارة النعرات الطائفية داخليًا والنزاعات الحدودية خارجيًا، حتى ينشغلوا بمشاكلهم المفتعلة ويكون همهم في أنفسهم، مسلوبي القوى في الدفاع عن مصالحهم وسيادتهم.

لم تغب القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عن استغلال الأزمات وخلقها وإشعال فتيلها، فهذه سياسة مرسومة ومخطط لها مسبقًا، يتذرع بأي شيء ليخلق له وجودًا، ويشعل حربًا هنا وهناك.

كل يوم تظهر على السطح مفارقات صادمة في النظام السياسي العالمي، وفي الواقع تتعدى ذلك إلى جرائم حرب يُتغاضى عنها، وتُبرر بتبريرات شر البلية ما يضحك ويدمي القلب. فعادي مثلًا التدخل باسم التدخل «الإنساني» في مكان ما، ويُغض الطرف عنه في مكان آخر، وليس غريبًا أن تُرتكب باسم التدخل «الإنساني» مجازر، والمسمى تحويل المنطقة المستهدفة إلى عالم من الرفاه والتقدم والمشاريع السياحية وغيرها من المشاريع التي في حقيقتها حبرًا على ورق ليست لها قيمة في الواقع.