آخر تحديث: 24 / 5 / 2026م - 10:40 م

دراسة نقدية في الفلسفة التربوية ومخرجات التعليم

تُعاني الأنظمةُ التعليميةُ في مجتمعاتِنا من تحدياتٍ متراكمةٍ لا تقتصرُ على النواقلِ الماديةِ كالمباني أو الكتبِ المدرسيةِ، بل تمتدُ إلى مستوى أعمقَ يتعلقُ بأسسِ الفلسفةِ التربويةِ نفسها والسؤالُ الجوهريُ الذي غالبًا ما يغيبُ عن صناعةِ السياساتِ التعليميةِ هو: ما الغايةُ القصوى من عمليةِ التعليمِ؟ هل يقتصرُ الأمرُ على إعدادِ كوادرٍ توائمُ مع متطلباتِ سوقِ العملِ؟ أم يتعداهُ إلى بناءِ إنسانٍ يمتلكُ أدواتِ التفكيرِ النقديِ والقدرةِ على المساءلةِ الفكريةِ.

هذا التساؤل ليس مجرد استطراد فلسفي، بل يشكّل حجر الزاوية في أي منظومة تعليمية تسعى نحو التنمية البشرية المستدامة وكما أشار الفيلسوف التربوي الأمريكي جون ديوي (John Dewey)، فإن التعليم ليس مجرد عملية نقل معرفي بل هو تجربة حية تشكّل الشخصية وتُهيئ الفرد للمشاركة الفاعلة في حياة مجتمعه (Dewey, 1916). وفي المقابل حذّر المربي البرازيلي باولو فرايير (Paulo Freire) من أن نماذج التعليم التقليدية قد تُنتج علاقة غير متوازنة بين المعلم والمتعلم تُضعف فيها قدرة الطالب على التفكير المستقل (Freire, 1968).

يرى ديوي (1916) في كتابه Democracy and Education أن الهدف من التعليم ليس تخزين المعلومات فحسب بل تطوير القدرات العقلية والاجتماعية معًا. فالتعليم الناجع هو ذلك الذي يُعدّ الشباب لحياة متكاملة، ويمنحهم مهارات المشاركة الديمقراطية وحل المشكلات ويؤكد ديوي على أن ”التعلم بالممارسة“ (learning by doing) يمثل مدخلاً أساسيًا لبناء المعرفة الحقيقية إذ يتعلم الطالب من خلال التجربة والتفاعل مع بيئته أكثر مما يتعلمه من خلال الحفظ والتلقين (Dewey, 1938).

ويقدّم فرايير (1968) في كتابه Pedagogy of the Oppressed تمييزًا مفاهيميًا بين نموذجين للتعليم: الأول هو ”التعليم المصرفي“ (Banking Model of Education)، الذي يعامل الطالب فيه وكأنه وعاء فارغ تُودع فيه المعرفة؛ والثاني هو ”تعليم طرح المشكلات“ (Problem-Posing Education)، الذي يُحوّل المعلم والطالب إلى شركاء في رحلة البحث والاكتشاف ويُشير فرايير إلى أن النموذج الأول رغم انتشاره قد يُقيّد الإبداع ويُضعف القدرة على التساؤل بينما يُتيح النموذج الثاني مساحة أرحب للتفكير النقدي والحوار (Freire, 1968, pp. 72-76).

لم يكن التعليم في أي حقبة تاريخية ظاهرة محايدة فالنظم التعليمية تعكس بشكل مباشر أو غير مباشر القيم السائدة في مجتمعاتها فالأنظمة التي تركز على الامتثال والحفظ تميل إلى إعداد أفراد يتوافقون مع البنى التقليدية بينما التي تمنح مساحة للتساؤل تسعى نحو إنتاج مواطنين قادرين على المبادرة والابتكار. وقد لاحظ باحثون تربويون معاصرون أن نماذج التعليم القائمة على التلقي لا تزال مُهيمنة في كثير من الفصول الدراسية وأن التحول نحو التعليم النقدي يواجه تحديات إدارية وثقافية (Shor & Freire, 1987).

العراق أنموذجًا: قراءة في مسار التعليم

يُعد العراق دراسة حالة مثالية لفهم العلاقة المعقدة بين التعليم والتحولات السياسية والاجتماعية. ففي منتصف القرن العشرين كان العراق من بين الدول الرائدة في مجال التعليم على مستوى المنطقة حيث انخفضت معدلات الأمية بشكل ملحوظ وكانت مؤسساته الجامعية قبلة للطلاب من مختلف البلدان العربية. غير أن عقودًا من الاضطرابات السياسية والصراعات والعقوبات الاقتصادية أدت إلى تراجع حاد في هذا المسار (Al-Atiya & Al-Hadithi, 2019).

وفقًا لمعهد اليونسكو للتعليم مدى الحياة (UNESCO Institute for Lifelong Learning)، تتراوح معدلات الأمية الكلية في العراق بين 18% و 20%، مع تفاوت ملحوظ بين المناطق الحضرية والريفية وارتفاع النسبة بين النساء في بعض التقديرات إلى أكثر من 26% (UIL, 2020). ويُشير البنك الدولي (2021) في تقريره Building Forward Better to Ensure Learning for All Children in Iraq إلى أن الإنفاق العام على التعليم في العراق لا يزال دون المعايير الدولية الدنيا وأن البنية التحتية للمدارس تعاني من نقص حاد بسبب عدم كفاية الاستثمارات وتبعات النزاعات. وفي دراسة نُشرت في مجلة International Journal of Educational Development, لوحظ أن النظام التعليمي العراقي شهد تراكمًا للتحديات منذ عام 2003 أثرت بشكل خاص على المراحل الابتدائية وأدت إلى فجوة متزايدة بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية الوطنية (Al-Atiya & Al-Hadithi, 2019).

ورغم أهمية هذه الأرقام يبقى التحدي الأعمق هو ما لا تقيسه الإحصائيات: غياب فلسفة تربوية واضحة ومستقرة فالنظام التعليمي يفتقر إلى إجابة محددة عن سؤال: ما نوع المواطن الذي تسعى المدرسة إلى تربيته؟ إن التحولات المتكررة في المناهج، وعدم الاستقرار في الرؤية التربوية، يُنتجان حالة من عدم اليقين المعرفي لدى الأجيال المتعاقبة.

كما يُلاحظ أن الأزمة لا تقتصر على المؤسسة المدرسية بل هي جزء من دائرة أوسع من التكرار الاجتماعي: فالأنظمة التي تُكافئ الحفظ على حساب السؤال تميل إلى إنتاج أفراد يُعيدون إنتاج ذات النمط في الأجيال اللاحقة. وهنا يتجلى ما أشار إليه فرايير (1968) ليس كمؤامرة مقصودة بل كعملية غير واعية لإعادة إنتاج الأنماط الاجتماعية السائدة.

يثير هذا الواقع تساؤلًا جوهريًا حول جاهزية المجتمعات لتبني نماذج تعليمية تعتمد على التفكير الحر فعندما يعود الطفل إلى بيئته الأسرية بعد أن تعلم أساليب النقد والتساؤل هل تتوفر له مساحة آمنة لممارسة ما تعلمه؟ إن المجتمعات التي تطلب ثمار التقدم (التكنولوجيا، الابتكار) قد لا تكون دومًا مستعدة لمتطلبات العملية نفسها: أي السؤال والشك والتغيير.

وقد لاحظ باحثون في مجال علم الاجتماع التربوي أن نجاح أي إصلاح تعليمي يتوقف إلى حد كبير على توافقه مع القيم الثقافية السائدة (Bourdieu & Passeron, 1990). فإذا كانت البيئة المحيطة بالمتعلم تعتبر التساؤل تجاوزًا للحدود الاجتماعية، فإن أثر التعليم النقدي يظل محدودًا.

نحو إصلاح تربوي: مقترحات منطلقة من الأدبيات النظرية

إن الإصلاح الفعّال في المنظومة التعليمية لا ينبغي أن ينطلق من تعديل المنهج فحسب بل من إعادة تعريف الغاية من التعليم نفسه فالسؤال ليس ”ماذا نُدرّس؟“ فقط، بل ”لماذا نُدرّس؟“ و”لأي نوع من المواطنين نُعدّ؟“

يقدم ديوي (1938) نموذج ”التعلم بالتجربة“ كبديل للتعلم التقليدي حيث يصبح الطالب مشاركًا فاعلًا في بناء معرفته من خلال التفاعل مع المواقف الحياتية وفي الاتجاه نفسه، يقترح فرايير (1968) نموذج ”تعليم طرح المشكلات“، الذي يُحوّل الفصل الدراسي إلى فضاء للحوار والتساؤل المشترك ويمنح المتعلم أدوات تحليل واقعه بدلًا من تلقي تفسيرات جاهزة.

أظهرت دراسات تربوية حديثة أن إدخال الفلسفة في المراحل الدراسية الأولى يسهم بشكل إيجابي في تنمية التفكير النقدي لدى الطلاب من خلال تدريبهم على التساؤل وبناء الحجج وتقبل الآراء المختلفة (Gardner et al., 2018). ولا يقصد هنا تدريس تاريخ الفلسفة التقليدي بل تعويد الطفل على أساليب التفكير المنظم: أن يسأل ”لماذا“، وأن يقبل أن إجابته قد تكون قابلة للنقاش وأن يستمع لمن يختلف معه.

يُعد النظام التعليمي الفنلندي مثالًا على نجاح منهجية تضع التفكير في مقدمة أولوياتها فمن خلال تقليص الامتحانات الموحدة قبل سن السادسة عشرة ومنح المعلمين حرية اختيار الاستراتيجيات التدريسية تمكّن الفنلنديون من تحقيق نتائج تعليمية متقدمة دون الاعتماد على نماذج التلقين والحفظ (Sahlberg, 2015).

الخاتمة

التعليم الذي لا يُعلّم السؤال يظل ناقصًا في رسالته الأساسية فالمؤسسات التعليمية لا تُنتج فقط موظفين وأخصائيين بل تُسهم في تشكيل الوعي الجمعي للأجيال وفي حالة العراق كما هو الحال في أغلب المجتمعات التي تمر بتحولات يكمن التحدي في بناء فلسفة تربوية مستقرة تتجاوز المتغيرات السياسية الفورية وتضع في مركز اهتمامها بناء الإنسان القادر على التفكير والمساءلة والمشاركة.

إن المجتمعات التي تخشى أسئلة أبنائها تظل بشكل أو بآخر قلقةً على مستقبلها بينما التي تتقبل السؤال كبوابة للفهم تفتح لنفسها آفاقًا أرحب للتقدم والازدهار.

أستاذ في كلية الإمام الكاظم عليه السلام بالعراق