آخر تحديث: 23 / 5 / 2026م - 8:56 م

العدالة الوظيفية في فكر الإمام علي (ع) وأثرها الاقتصادي

أحمد مكي الجصاص *

في عالم الأعمال الحديث، لم تعد العدالة الوظيفية قضية أخلاقية فقط، بل أصبحت عاملًا اقتصاديًا مباشرًا يؤثر على الإنتاجية، والاستقرار المؤسسي، والقدرة على الاحتفاظ بالكفاءات، ولهذا تنفق كبرى الشركات العالمية مليارات الدولارات سنويًا لتحسين بيئات العمل وتعزيز رضا الموظفين، بعدما أثبتت الدراسات أن الموظف المظلوم أو غير المقدر لا يخسر حماسه فقط، بل تتحول خسارته إلى نزيف اقتصادي داخل المؤسسة نفسها.

ورغم أن مفاهيم ”العدالة المؤسسية“ و”القيادة الإنسانية“ تبدو حديثة في أدبيات الإدارة، فإن المتأمل في فكر علي بن أبي طالب يكتشف أن هذه المبادئ كانت حاضرة بوضوح في رؤيته للإدارة والحكم والوظيفة العامة، حين ربط بين العدل والاستقرار، وبين الكفاءة وازدهار الدولة.

اليوم تؤكد تقارير المؤسسات البحثية العالمية أن أزمة بيئات العمل لم تعد مرتبطة فقط بالأجور أو المزايا، بل بشعور الموظف بالإنصاف والاحترام. ووفقًا لتقرير ”حالة بيئة العمل العالمية 2026“ الصادر عن Gallup, انخفض معدل اندماج الموظفين عالميًا إلى 20% فقط، وهو أدنى مستوى منذ سنوات، ما تسبب بخسائر تُقدّر بنحو 10 تريليونات دولار من الإنتاجية المفقودة عالميًا.

هذه الأرقام تكشف حقيقة مهمة: المؤسسات لا تخسر فقط عندما تتراجع المبيعات، بل تخسر أيضًا عندما يشعر الموظف أن جهده لا يُقدّر، أو أن العلاقات تتقدم على الكفاءة، أو أن بيئة العمل تفتقد للعدالة.

وفي هذا السياق تبدو فلسفة الإمام علي الإدارية شديدة الحداثة؛ إذ كان يؤكد على اختيار الأكفأ لا الأقرب، وعلى حماية حقوق العامل، وعلى مراقبة المسؤول حتى لا تتحول السلطة إلى أداة ظلم أو استغلال. وهي مبادئ تتوافق اليوم مع مفاهيم الحوكمة والشفافية والعدالة التنظيمية التي أصبحت من أهم معايير نجاح المؤسسات.

الأهم اقتصاديًا أن الدراسات الحديثة تؤكد وجود علاقة مباشرة بين العدالة الوظيفية والإنتاجية. فبحسب تحليلات Gallup لأكثر من 100 ألف فريق عمل حول العالم، فإن المؤسسات ذات الموظفين المرتفعين في الاندماج الوظيفي تحقق إنتاجية أعلى بنسبة 14%، وتنخفض فيها معدلات الغياب الوظيفي بنسبة 78%، كما تتراجع معدلات دوران الموظفين بشكل ملحوظ.

أما البيئات التي يغيب عنها الإنصاف، فتدفع ثمن ذلك على شكل احتراق وظيفي وتسرب للكفاءات وتراجع في الولاء المؤسسي. وتشير بيانات Gallup إلى أن الموظفين الذين يشعرون بأن مؤسساتهم تهتم برفاههم يكونون أقل عرضة للبحث عن وظيفة أخرى بنسبة 49%، وأقل تعرضًا للاحتراق الوظيفي بنسبة 72%.

وهنا تتضح القيمة الاقتصادية للعدالة، فهي ليست شعارًا مثاليًا، بل استثمار طويل الأمد في رأس المال البشري. فالموظف العادل معه لا يعمل فقط بدافع الراتب، بل بدافع الانتماء والثقة والشعور بالتقدير.

ولعل أحد أكبر أخطاء بعض المؤسسات الحديثة أنها تتعامل مع العدالة باعتبارها ملفًا إداريًا ثانويًا، بينما هي في الحقيقة جزء من الأمن الاقتصادي للمؤسسة نفسها. لأن الظلم الإداري لا يصنع بيئة عمل متوترة فقط، بل يقتل المبادرة، ويضعف الابتكار، ويحول الموظف من شريك في النجاح إلى مجرد باحث عن فرصة للهروب.

ولهذا فإن قراءة فكر الإمام علي اليوم من زاوية اقتصادية لا تبدو محاولة للعودة إلى الماضي، بقدر ما هي تذكير بأن كثيرًا من أزمات العمل الحديثة بدأت عندما تراجعت قيمة الإنسان داخل المؤسسة، وتحولت الإدارة من صناعة الثقة إلى إدارة الأوامر فقط.

فالعدالة، في النهاية، ليست قيمة أخلاقية وحسب… بل أصل من أصول التنمية والإنتاج والاستقرار الاقتصادي.

مستشار الموارد البشرية