آخر تحديث: 24 / 5 / 2026م - 10:40 م

التقاعد ليس نهاية الطريق

محمد يوسف آل مال الله *

قبل عدة سنوات من تاريخ تقاعدي، كان البعض من الزملاء والأصدقاء يسألوني؛ متى ستتقاعد وماذا ستعمل بعد التقاعد؟ وكان جوابي؛ سأتقاعد عن العمل في الشركة عندما يحين الوقت ولكن لن أتقاعد عن العمل، فلديّ المهارات والخبرة في التدريب والكوتشينج بشهادات معتمدة فسأستغلها وأواصل العمل بها، وهذا ما أقوم به الآن.

يظنّ بعض الناس أنّ التقاعد محطة انتظار هادئة ينتهي عندها العطاء، بينما الحقيقة أنّ التقاعد قد يكون أخطر مرحلة في حياة الإنسان إن دخلها بلا وعي، لأنّ الفراغ حين لا يُدار يتحوّل تدريجيًا إلى عزلة، ثم إلى ملل، ثم إلى شعور بفقدان القيمة والإنجاز، وقد كتبت قبل عدة أيام موضوعًا بعنوان ”بين أروقة الفراغ تنبت الفرص“[1] ، أتحدث فيه عن الفراغ وكيف يمكن استثماره، فالإنسان الواعي لا ينتظر يوم التقاعد حتى يفكر: ”ماذا سأفعل؟“، بل يبدأ منذ سنوات برسم خارطة طريق لحياته القادمة.

إنّ المشكلة ليست في التقاعد ذاته، وإنّما في غياب التخطيط له. فالكثير اعتاد على روتين العمل لعقود طويلة؛ يستيقظ لهدف، ويتحرك ضمن مسؤوليات، ويشعر بأهميته من خلال عطائه اليومي. وفجأة يجد نفسه داخل المنزل لساعات طويلة بلا رسالة واضحة، فيبدأ الفراغ بابتلاع طاقته النفسية والفكرية والجسدية.

هنا يظهر دور الوعي الحقيقي. فالوعي يجعل الإنسان يدرك أنّ التقاعد ليس انسحابًا من الحياة، بل انتقالًا من مرحلة ”الوظيفة“ إلى مرحلة ”الرسالة“. ففي هذه المرحلة يحتاج الإنسان إلى مشروع يعيش لأجله، لا مجرد وقت يقتله. لذلك فإنّ من حق كل مقبل على التقاعد أن يخطط لتقاعده كما يخطط لمستقبله المالي تمامًا، لأنّ الإنسان لا يعيش بالمال وحده، بل يعيش بالشغف والمعنى والانتماء.

فالإنسان الواعي يسأل نفسه قبل التقاعد:

• ما المهارات التي أستطيع تحويلها إلى مشروع نافع؟

• ما الهوايات التي أهملتها سنوات طويلة؟

• كيف أستثمر خبرتي لخدمة المجتمع؟

• ما المجال الذي يمنحني شعورًا بالحياة؟

• كيف أجعل أيامي القادمة أكثر أثرًا لا أكثر فراغًا؟

فقد يكون المشروع التقاعدي عملاً تجاريًا صغيرًا، أو استشارة، أو تدريبًا، أو نشاطًا اجتماعيًا، أو زراعة، أو كتابة، أو تعلّم مهارة جديدة، أو حتى مبادرة تطوعية تصنع أثرًا في الناس. المهم أن يبقى الإنسان متحركًا ذهنيًا ونفسيًا وروحيًا.

فمن الأخطاء الشائعة أنّ البعض يربط الراحة بالتوقف الكامل، بينما الدراسات النفسية والاجتماعية تشير إلى أنّ الإنسان كلّما امتلك هدفًا بعد التقاعد كان أكثر صحةً واستقرارًا وسعادة. لأنّ الشعور بالقيمة لا يرتبط بالعمر، بل بالشعور بأنّ للحياة معنى.

وقد أشار القرآن الكريم إلى قيمة الحركة والسعي وعدم الاستسلام للركود، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التوبة 105]، فالعمل هنا لا يقتصر على الوظيفة، بل يشمل كل ما يقدمه الإنسان من أثر وعطاء.

كما روي عن أمير المؤمنين الإمام علي : ”قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسنُه“، أي أنّ قيمة الإنسان تبقى مرتبطة بما يقدمه ويتقنه، لا بعدد سنوات عمره أو بمنصبه الوظيفي.

إنّ أخطر ما يواجه المتقاعد ليس قلة المال دائمًا، بل قلة المعنى. لذلك فإنّ الوعي يصنع من التقاعد مرحلة ازدهار جديدة، لا مرحلة انطفاء. فكما خطط الإنسان لوظيفته، عليه أن يخطط لحياته بعدها، لأنّ العمر لا يتوقف عند التقاعد، بل قد تبدأ فيه أجمل فرص العطاء والنضج والخبرة.

التقاعد الواعي ليس جلوسًا على مقاعد الانتظار، بل انطلاقة نحو حياة أكثر حرية، وأكثر عمقًا، وأكثر أثرًا.


[1]  بين أروقة الفراغ تنبت الفرص
https://www.jehat.net/136480