آخر تحديث: 24 / 5 / 2026م - 10:40 م

قناع التفعيلة خلف العامود الشعري في ديوان ألوان صوت المجاز

حسام منصور آل سيف

ألوان صوت المجاز ديوان للشاعرة زهراء آل شوكان صادر عن دار بسطة حسن عام 2022م.

«ألوان… صوت… المجاز» تتضح لنا سيطرة الألوان كمعادل فني للشاعرة، والصوت مؤشر على أنها كائن سمعي يطرب لجماليات الموسيقى الكونية، «من القراءة في مقدمة الديوان للشاعر علي الشيخ.

وبنظرة إلى مستوى الصوت «الإيقاع والموسيقى» في قصائد الديوان، نلحظ أنها منحازة بشكل كبير للشعر الكلاسيكي العمودي رغم أن الكتابة كانت بشكل «شعر التفعيلة»، ومكتوبة بشكل أسطر التفعيلة، وهنا مكمن السؤال: لماذا تصر الشاعرة على هذا الشكل كتابةً؟ وهو في الحقيقة كلاسيكي، ومن الممكن تجميعه في الشطرين.

وبتتبع الديوان من الناحية الموسيقية الخارجية، نرى أن الديوان مؤلف من خمس وأربعين قصيدة، أغلبها من ذات قالب كلاسيكي المبنى «شطرين»، وسبع عشرة قصيدة من شعر التفعيلة، ولكنها تكاد تكون كلاسيكية في عدد التفعيلات، والنهاية بالقافية ونهاية تدوير الأبيات.

وهنا أتذكر ما رواه أحد أساتذتنا في الجامعة عن شاعر في بداياته، عندما قرأ قصيدة على شعراء، وكانت تلك القصيدة ذات شكل كلاسيكي، أشبعوه نقدًا عليها، فما كان منه إلا أن كتب القصيدة نفسها بشكل التفعيلة، فانقلب النقد مدحًا.

هذا النقل من باب توارد الأفكار، تذكرت ذلك وأنا أقرأ الديوان وألحظ أشكال شعر التفعيلة، وأتساءل لماذا كتبتها الشاعرة المبدعة بتلك الطريقة؟

هذا الموقف قديم، وقائله يتكلم عن أيام شبابه طالبًا في الجامعة، وكان التعصب للتفعيلة في بلاد الشام ومصر في ذروته، ولكن العمود الشعري قد عاد بعد تلك الحرب في السبعينيات، وأصبح الكثير من العمالقة من الشعراء المعاصرين يكتبون الشعر الحديث العمودي، ولا سيما في المملكة.

شعر التفعيلة يعطي حرية في تعدد التفعيلات على ذوق الشاعر ومشاعره وانفعالاته، ليكون بناء القصيدة، أضف إلى ذلك تعدد القوافي، وهو الذي لم تستغله الشاعرة في كتابتها.

وبقراءة قصائد التفعيلة في الديوان على مستوى الإيقاع الشعري، نرى أن القصائد لهذا النوع هي سبع عشرة قصيدة، نالت منها تفعيلات البحر البسيط «مستفعلن فاعلن» العدد الأكبر، وهذا البحر هو الاستخدام الأكثر «كشعر عمودي وتفعيلة» في الديوان.

كل القصائد، ولا سيما القصائد التي تحتوي أكثر من تفعيلة، تؤكد الفكرة السابقة، أن التفعيلات تساوي عدد البيت العمودي تمامًا، ثم تأتي القافية لتؤكد هذه الفكرة، وتؤكد أكثر استخدامها «للتصريع»: «جعل قافية عروض البيت الأول من القصيدة مقفاة تقفية الضرب في منتصف تفعيلات الشطر الأول».

القصائد من التفعيلة التي استخدمت فيها «التصريع» وقافية واحدة: «شوك الورد ص 21، ثورة شاعرة ص 36، رقي ص 47، حمى ص 51، أحلام ذبيحة ص 54، غصة الأشواق ص 57، فرض الهوى ص 60، تصدع ص 66، نكهة الورد ص 85، بهجة العمر ص 88، سكرة الصداقة ص 90، قلب مثقل ص 120، نبض الشجا ص 125، همس الحنين ص 133، طعم الأفول ص 137، شراب الشجن ص 149، نغم السعد ص 155».

والقصائد التي لم تستخدم فيها الشاعرة «التصريع»، في بعضها كان تنويع للقوافي، هي: «غنيني ص 63، النزف الدافئ ص 116، ليلة موحشة ص 129، غواية ص 139، ذكرى ص 142، غرق العشق ص 145، أزاهير ملونة ص 161». لكن قصيدة «النزف الدافئ» تغرد خارج السرب، حلقت بها الشاعرة وتعد قصيدة «تفعيلة»، إذ استخدمت الشاعرة فيها نظام التفعيلة كأفضل ما يكون، مستفيدة من عدم الالتزام بعدد التفعيلات، بداية من استخدامها «مفاعيلن» ثلاث مرات، في حين أن البحر الأصلي للتفعيلة «الهزج» يتكون من تكرارها في الشطر مرتين، وهي التي حلقت بها الشاعرة من مطلعها:

«وانثرني
لعل الجرح يجمعني
على صفحات أوراقي
يلملمني»

نلاحظ أن المطلع تفعيلة واحدة بقافية أسست لأحد القوافي على طول القصيدة، والسطر متشكل من تفعيلة واحدة إلى اثنتين وثلاث على طولها، أضف إلى ذلك تعدد القوافي وعودتها للنون المكسورة، فمثلًا: «فذي شمسي وقد غربت»، بعدها بعدة أسطر تعود لهذه القافية: «شراييني وقد سفكت».

أو نراها تأخذ قافية أخرى نهاية كل سطر، كما:

«ألوذ بنزف أوردتي
أنادي الغوث.. كي يأتي
يداوي جرح أزمنتي»

استخدامها ذكي في التاء المكسورة، ولا سيما في «يأتي»، لكي تبعد تكرار التاء وضمير المتكلم.

وفي نهاية القصيدة تعود لقافية «الروي» النون والياء في كل كلمة، لتلعب موسيقى داخلية وخارجية، ومشكلة قافية في كل تفعيلة رغم كتابتها في السطر نفسه: «وأكتبني.. وأحرقني.. وادفنني». ثم تشكل سطرًا من أربع تفعيلات: «لعل دموع أحبابي من الآهات تغسلني».

وكذلك نص «أزاهير ملونة» - إذا افترضناه قصيدة واحدة - فهي كانت منوعة بين العمودي والتفعيلة، وقد وفقت فيه الشاعرة، وفيه الكثير من التفصيل لا مجال لذكره في هذا المقال. وهو ما يرسخ الفكرة التي ذكرتها في البداية، أن الشاعرة مسكونة بالعمود الشعري حتى وإن دثرت قصائدها بالتفعيلة في أغلبها، إلا ما ندر منها.