حين يتحول المزاح إلى جرح لا يندمل
يا صاحب الضحكة التي تظنها نورًا، هل تأكدت أنها لا تتحول في قلب غيرك قنديل حزن لا ينطفئ؟
كم من كلمة ألقيتها خفيفة على لسانك، فصارت على روح غيرك جبالًا من تعب.
المزاح فن، أخلاقُه الرحمةُ، وحدوده ألا يجرح.
أما الاستهزاء فسلاح الضعفاء الذين يبنون فرحهم على أنقاض مشاعر الآخرين.
هنا.. وقفة تأمل في جراح لا تندمل، وفي قلوب سخرتم منها وهي عند الله أطهر من دموع السماء.
ما أقسى أن يكون الإنسان سببًا في انكسار قلب غيره وهو يظن أنه يمارس المزاح ويصنع البهجة..
فبعض الناس لا يحسن التفريق بين خفة الدم وبين الاستهزاء، ولا يدرك أن الكلمات التي تخرج من فمه قد تبقى عالقة في صدر إنسان سنوات طويلة.
ترى أحدهم يطلق التعليقات الساخرة على هيئة شخص، أو ملبسه، أو طريقة حديثه، أو مشيته، أو شيء يمس ذاته، أو حتى تفاصيل بسيطة لا تستحق الوقوف عندها، ليضحك من حوله، وكأن كرامة البشر لعبة يتسلى بها الناس في المجالس والتجمعات.
والمؤلم كثيرًا أن من ضحايا السخرية هم من أصحاب القلوب النقية الصافية، أناس تربوا على الأدب والحياء والسكينة والأخلاق الحميدة، لا يجيدون الرد الجارح، ولا يحبون الدخول في الخصومات، فيبتسمون مجاملة، بينما في داخلهم غصة موجعة، وربما عاد أحدهم إلى منزله مثقلًا بالحزن والانكسار.
تحدث لي البعض أنه يعاني كثيرًا حينما يتواجد في أحد المجالس وأماكن التجمع في المناسبات، لا يعيرونه اهتمامًا، ويتلفظون عليه بألقاب ساخرة، وكأنه محور السخرية عندهم، لا يتفوه بكلمة حتى يجتمعوا عليه بالسخرية وإذلاله ويستنقصوا من حقه، وكأن المجلس أو المكان لا تكتمل متعتهم إلا بالسخرية منه..
رجل آخر يعاني من السمنة، فما أن يتواجد في المناسبات حتى يبدأ الناس بالتعليق عليه؛ فيسألونه: كم شهرًا مضى ويمسحون على بطنه، والآخر يخبره بأن كرشه تجاوز الحد المسموح، وهكذا هو حاله حتى وجوده في المساجد، معلقين على سمنته المفرطة، وكأنهم مكلفون برعايته والاهتمام به، حتى وإن كان من باب النصح، فباستطاعتهم إخباره على انفراد وليس أمام الناس ليُريقوا ماء وجهه..
أيضًا، أحد المؤمنين قامته قصيرة جدًا وجسمه ممتلئ، فيجد الحرج الشديد عندما يشبهونه بأحد أسطوانات الغاز ذات الحجم الصغير، ولا ينتهي به الحال إلى عند انصرافه منهم.
أيظن المستهزئ أن الله يغفل عن كلمة؟ ألم يعلم أن الاستهزاء بالناس خلق مذموم نهى الله عنه حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11]
فكم من شخص سخر منه وهو عند الله أرفع قدرًا، وأنقى قلبًا، وأعظم خلقًا من أولئك الذين ملأوا المجالس ضحكًا واستهزاءً.
إن السخرية ليست قوة شخصية، بل ضعف في النفس، ونقص في التربية، ومحاولة رخيصة لجذب الانتباه وصناعة القبول بين الناس على حساب مشاعر الآخرين. فالإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج أن يهين غيره ليظهر، ولا أن يحطم كرامة أحد ليضحك الحاضرين.
المؤسف أن بعض الناس يستهين بالأمر ويقول: كنا نمزح، وكأن المزاح يبرر الأذى..
بينما القلوب ليست حجارة، والنفوس تتألم، وبعض الكلمات قد تفتح جروحًا لا يراها أحد.
كم من شاب فقد ثقته بنفسه بسبب تعليق ساخر، وكم من فتاة انكسرت روحها من كلمة استهزاء، وكم من إنسان أصبح يتجنب الناس خوفًا من ألسنتهم القاسية.
إن احترام البشر عبادة وأخلاق، واللسان أمانة، والكلمة إما أن ترفع صاحبها أو تهوي به.
فليحاسب كل إنسان نفسه قبل أن يطلق لسانه في خلق الله، وليتذكر أن دوام الحال من المحال، وأن من يعيب الناس قد يبتلى يومًا بما كان يسخر منه.
ليس من الرقي أن تجعل الآخرين مادة للضحك، بل الرقي الحقيقي أن تحفظ مشاعرهم، وتجبر خواطرهم، وتكون سببًا في طمأنينتهم لا في انكسارهم.
فالكلمة الطيبة صدقة..
والكلمة الجارحة قد تكون ذنبًا لا ينسى، فلنعد إلى قلوبنا قبل أن تنطلق ألسنتنا. فليس كل ما يقال يمحى، وليس كل باكٍ يبكي أمامك.
اللهم اجعل ألسنتنا رحمة لا بلاء، ومودة لا جراح.
وذكرنا أن يومًا سنقف بين يديك، ولن ينفعنا يومئذٍ إلا من جاء بقلب سليم، ولسان رحيم.
فمن كان مزاحه أذى، فليصمت، ومن كانت كلمته نورًا، فليتحدث.
وسلام على قلوب لم تجرح، وعلى أرواح لم تهرم من كثرة السخرية.













