آخر تحديث: 26 / 5 / 2026م - 8:13 م

حينَ تهفو الأرواحُ إلى الله

ناجي وهب الفرج *

الحجُّ رحلةُ الأرواحِ إلى مرافئِ الطمأنينة، وموسمٌ تتخفّفُ فيه النفوسُ من أثقال الدنيا لتقف بين يدي الله تعالى خاشعةً منيبةً، وقد جعل الله هذا الركن العظيم مظهرًا لوحدة المسلمين وتجردهم من الفوارق، حيث يلبسون لباسًا واحدًا، ويقصدون بيتًا واحدًا، ويرددون نداءً واحدًا، وكأن البشرية تعود في تلك اللحظات إلى فطرتها الأولى التي أرادها الله لها قائمةً على العبودية والتقوى.

وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الدعوة الربانية الخالدة حين أمر الله تعالى نبيَّه إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، فقال سبحانه:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ [سورة الحج: الآية 27]، فكانت هذه الرحلة المباركة استجابةً لنداءٍ إلهيٍّ يتردد صداه في القلوب قبل الأسماع.

وحين يقف الحاجُّ في رحاب البيت العتيق، فإن قلبه يدخل في حالٍ من الصفاء والخشوع، فيطوف حول الكعبة مستشعرًا عظمة الله ووحدانيته، وكأن هذا الدوران المتواصل يرمز إلى أن حياة الإنسان كلها ينبغي أن تكون دائرةً حول طاعة الله ومرضاته. ومن هنا كانت العبادة في الحج ليست حركاتٍ ظاهرية فحسب، بل تربيةً للنفس على الإخلاص والانقياد والتجرد من الذنوب.

وقد ورد عن النبي الأكرم أن الحج سببٌ لتطهير الإنسان من خطاياه، فقال ﷺ: «مَن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه»؛ ففي هذه العبادة العظيمة تتساقط الأوزار عن القلوب كما تتساقط الأوراق اليابسة عن الأغصان، ويشعر المؤمن أنه بدأ صفحةً جديدةً مع الله تعالى.

ثم ينتقل الحاج بين المشاعر المقدسة ساعيًا وذاكرًا وداعيًا، فيتعلم أن السير إلى الله يحتاج إلى مجاهدةٍ وصبرٍ وتضرع. والدعاء في تلك المواطن المباركة ليس مجرد كلمات، بل هو انكسارٌ روحيٌّ يشعر فيه الإنسان بفقره الكامل إلى ربه، ولذلك كان أهل المعرفة يعدّون الحج مدرسةً للإصلاح الداخلي قبل أن يكون انتقالًا مكانيًا.

ومن المعاني العظيمة التي يورثها الحج شعورُ المؤمن بالقرب من النبي ﷺ وآله الأطهار ؛ لأن هذه الشعائر مرتبطة بتاريخ الرسالة، وممتدةٌ بجذورها إلى سيرة الأنبياء والأولياء. وقد روي عن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: «الحاجُّ والمعتمر وفدُ الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم»؛ فالحاج يشعر أنه داخلٌ في ضيافة الرحمة الإلهية، تحيطه العناية والسكينة.

كما أن الحج يعلّم الإنسان معنى الوحدة الإنسانية، إذ تذوب الفوارق بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، فلا يبقى إلا ميزان التقوى، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ .[الحجرات: الآية 13]

وفي ختام هذه الرحلة الإيمانية يبقى في النفس شوقٌ إلى دوام تلك الحالة الروحية؛ لأن الإنسان حين يذوق لذة القرب من الله يتمنى ألّا يعود إلى قسوة الغفلة مرةً أخرى. ولهذا كان الحج نقطةَ تحوّلٍ في حياة المؤمن، يخرج منه بروحٍ أكثر صفاءً، وقلبٍ أكثر تعلقًا بالله، وعزمٍ جديدٍ على الاستقامة والطاعة.

المصادر:

1. القرآن الكريم.
2. القرآن الكريم، سورة.
3. صحيح البخاري، كتاب الحج.
4. الكافي، كتاب الحج.
نائب رئيس مجلس إدارة جمعية العوامية الخيرية للخدمات الاجتماعية