في رحابِ عرفة… دمعةٌ تغيّرُ الحياة
في يومِ عرفة يقفُ الإنسانُ وقفةَ صدقٍ مع نفسه، يُفتِّشُ في أعماقه عن موضعِ قلبه من الله، ويتساءلُ بحرقةِ المشتاق: أين أنا في عالَمِ الرُّوح؟ وأين يقفُ قلبي في طريقِ القربِ من الله؟ في هذا اليوم يشعرُ العبدُ بضآلةِ الدنيا أمام عظمةِ الرحمة الإلهية، فيرى المسافةَ بينه وبين ربِّه طويلةً بثقلِ الذنوب، لكنَّه يدركُ أيضًا أنَّ خطوةَ الصدقِ الواحدة قد تختصرُ تلك المسافات كلَّها.
يومُ عرفة ليس يومًا عاديًّا يمرُّ بين الأيّام، بل هو يومُ الاعتراف، ويومُ العودة، ويومُ انكسارِ القلبِ بين يدي الله. هو اليومُ الذي يرفعُ فيه العبدُ يديه مُثقلتين بالتقصير، ويقولُ بقلبٍ خاشع: يا رب… أخطأتُ كثيرًا، لكنّي ما زلتُ أطرقُ بابَ رحمتك. إنَّه يومُ التوبةِ الصادقة، ويومُ العهدِ الجديد مع الله، يومُ الدمعةِ التي تغسلُ القلبَ قبل العين، وتُطفئُ ظمأَ الروحِ بعد طولِ الغفلة.
فلا تكن في هذا اليومِ من العاجزين عن الدعاء، فقد رُوِيَ عَنْ الإمامِ علي بن أبي طالب «عليه السَّلام» أنَّه قال: «أعجَزُ الناسِ مَن عَجَزَ عَنِ الدُّعاءِ». [1]
ادعُ اللهَ بقلبٍ حاضر، بقلبٍ لا تُشتِّته الدنيا، ولا تُثقله الغفلة. فقد رُوِيَ عن محمد «صلّى الله عليه وآله» أنَّه قال: «اِعلَموا أنّ اللهَ لا يَقبلُ دُعاءً مِن قلبٍ غافِل». [2] أقبِلْ على اللهِ بكلِّ روحك، وكن ملبّيًا للنداءِ الربّاني العظيم: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادعوني أَستَجِب لَكُم﴾ . يا لها من آيةٍ تُفيضُ رحمةً وأملًا… ادعوه فقط، وهو سبحانه وعدَ بالإجابة.
ادعوه بصدق، وأنتَ تتأمّلُ معاني الدعاء، وتعيشُ كلماتِه بروحٍ واعيةٍ خاشعة، فربَّ لحظةِ صدقٍ في يومِ عرفة تُبدِّلُ حياةَ الإنسانِ كلَّها، وربَّ دمعةٍ صادقة تفتحُ أبوابَ الرِّضا والطمأنينة والنور.
أيُّها الأحبّة… يومُ عرفة يومٌ واحد، كما أنَّ ليلةَ القدرِ ليلةٌ واحدة، لكنَّ نفحاتِ الرحمةِ فيه قد تصنعُ عمرًا جديدًا للإنسان. فلا تتردّد… دعْ دمعتكَ تنحدرُ على خدِّك، لتكونَ دمعةَ توبةٍ صادقة، ودمعةَ تحوّلٍ حقيقيٍّ في داخلك.
لا تدعْ هذه الساعاتِ المباركة تمرُّ دون تفكّرٍ وتدبّر… اتّخذ قرارَ العودة إلى الله، وافتحْ صفحةً جديدةً مع روحك، فلعلَّها تكونُ اللحظةَ التي يُكتبُ لك فيها ميلادٌ جديدٌ في رحابِ الرحمةِ الإلهية.













