{كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}
نادوه باسمه…
فقام من بين الخلائق وسط الازدحام يجرّ خطواته. وجوه شاحبة، وحرارة تذيب ما تبقى من صبر الأرواح وقد أنهكها طول الانتظار. صمت ثقيل يتخلله بكاء ونداء: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 87]. لم يكن أحد منشغلًا بغير نفسه؛ كل روح غارقة في سرد قصتها، وكل إنسان يدرك أن اللحظة التي طالما أجّل التفكير فيها قد حضرت. شعر أن الزمن كله قد انكمش فجأة حتى صار واقفًا بين يدي الله عز وجل، بلا قدرة على الهروب أو الإنكار أو اختلاق الأعذار التي كان قد أتقن صناعتها في الحياة الدنيا.
ها هو يستلم الآن كتابه.
كان ثقيلًا بصورة أربكته، كأن أعوامه كلها قد اختُزلت في صخرة سقطت على ساعديه فأرهقتهما. فتح صفحاته بيد ترتجف وأخرى ترتعد، يقرأ بسرعة، يبحث عن حسنات ظنها يومًا منارات مضيئة، وعن الأعمال التي كان يرجو أن يجدها مزهرة أمامه. لكنه فوجئ بأن أكثر ما ملأ الكتاب لم يكن إلا تلك التفاصيل الصغيرة التي اعتاد أن يسميها في الدنيا «أمورًا عابرة». عندها صرخ والعبرة تخنقه: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: 49]. أدرك حينها أن المصيبة لم تكن في الكبائر وحدها، بل في تراكم الصغائر التي تجاهلها حتى تحولت إلى جبال تثقل روحه وقلبه.
واصل القراءة، مندهشًا منصعقًا متفاجئًا مما غدا يستكشفه من حقيقة نفسه لأول مرة.
في الدنيا كان قد اعتاد على تبرير أفعاله، ينظر إليها من زاوية أنها كانت حسنة هادفة وشفافة، يغلفها بالأعذار، أما في ذلك المشهد المهيب فقد رأى آثارها الحقيقية وقد بدت مجردة من كل تزييف وتغليف. وجد تلك الكلمات التي كان قد قالها ثم نسيها أو تناساها، بينما بقيت الألفاظ الجارحة تنزف في داخل قلب إنسان لسنوات، كجرح لم يندمل. رأى نظرات الاستعلاء العابرة منه كيف كسرت أرواحًا دون أن يشعر بأثرها. حتى الرياء الخفي، والقسوة السريعة، وتأخير التوبة، والاستهانة بالذنب بحجة أن الجميع قد كانوا يفعلونه حتى أصبح «عاديًا»، تجسدت أمامه حية في صورة لا تقبل الإنكار: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف: 49]. كانت أعماله تعود عليه كالأمواج المتلاطمة، تصطدم بروحه مرة بعد أخرى حتى لتكاد تسقطه على حر وجهه.
تحولت دهشته إلى صدمة داخلية موجعة.
انتابه شعور الحسرة والمرارة وهو يدرك للتو كم من مرة كان قد فتح الله له أبواب العودة والإياب إلى الله، كم فرصة أُعطيت له ليقلع ويصلح نفسه، لكنه كان يؤجل ويؤجل، حتى ظن أن طول العمر مضمون وأن الموت بعيد. كم أخمد وخز الضمير بالانشغال، وكم كان يخشى الفقر والمرض وتفرق الناس من حوله، بينما لم يكن يعبأ بتراكم صدأ الغفلة على قلبه. فهم أن الذنب يستطيع أن يتسلل إلى نفسه بالتدريج، كما يتآكل الحديد من الداخل في الوقت الذي يبدو سطحه صلبًا متماسكًا.
ومع ذلك… لم يشعر باليأس.
ذلك لأن قلبه لا يزال متعلقًا برجاء عظيم، يبحث عن سفينة النجاة التي تشبث بها في الدنيا كلما أوشكت أمواج الشهوات أن تبتلعه. كان يدرك أن رحمة الله أوسع من ذنوبه، وأن النجاة ليست بالأعمال، بل بصدق الالتجاء إلى الله، وبالتمسك بصراطه المستقيم وحبله المتين. وسط أهوال ذلك اليوم، بقي الأمل يتحرك في داخله بصعوبة، كشمعة صغيرة تقاوم رياحًا عاتية.
لكن سؤالًا مرعبًا أخذ يطارده وهو يقلب صفحات كتابه.
هل كان حقًا من أهل سفينة النجاة؟ أم أنه اكتفى بادعاء الانتماء إليها بلسانه، بينما ظل قلبه متشبثًا بأهواء الدنيا؟ فالسفينة لا تحمل من يثقبها بذنوبه ثم يطلب منها أن تنقذه، ولا تشفع لمن عرف الحق ثم ساوم عليه كلما تعارض مع رغباته. بدأ يميز بين الانتماء الحقيقي والانتساب الشكلي، بين الحب الصادق والطاعة المؤقتة، بين من يعيش القيم وبين من يكتفي برفع الشعارات.
في ذلك الموقف العظيم، لم يحتج إلى من يحاسبه.
كان هو الشاهد على نفسه، وهو يكرر: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]. يقرأ تاريخه كاملًا، يرى هفواته وشطحاته وأوهامه كما هي، بلا رتوش ولا صور مزيفة. كل صفحة كانت تكشف له جانبًا كان يخجل حتى من الاعتراف به أمام نفسه. سقطت المبررات كلها، وانهارت الصورة التي قضى عمره منشغلًا بتجميلها أمام الناس، بينما غفل عن حقيقة توجهه إلى الله. كانت تلك هي المحكمة العظمى، محكمة الوعي الكامل بالنفس، حين أضحى يرى نفسه كما هي فعلًا بحقيقتها وجوهرها، لا كما أحب هو أن يتخيلها وينحتها: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: 95].
ثم أغلق كتابه وهو يتفكر في مصيره، مدركًا أن أخطر ما قد يصيب الإنسان في الدنيا هو الاعتياد على الذنب حتى يفقد قلبه أي حساسية تجاه ارتكابه. تصبح المعصية أمرًا طبيعيًا، ويبدأ الضمير بالموت تدريجيًا، ويبيت الإنسان قادرًا على حمل أثقال هائلة من الخطايا دون أن يشعر. على النقيض من ذلك فإن المؤمن الحقيقي هو من يعيش في مراجعة يومية لأعماله، لا يغتر بعمله مهما كثر، ولا يأمن مكر النفس والشيطان مهما بدا هو للناس صالحًا تقيًا. الأهمية لا تكمن في كيف سيبدو الفرد أمام الناس، بل في ما سيغدو عليه كتابه حين يُفتح أمام الذي ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: 5].













