آخر تحديث: 31 / 5 / 2026م - 8:26 م

الجمعيات… والمركزُ العلميُّ المتكامل

حسين مكي المحروس

ما إن تُذكر في نقاش دور مؤسساتنا الخيرية وما تقوم به من دور ريادي تُشكر عليه، من تفعيل للتكافل المجتمعي، فإن الذهن يتجه غالبًا إلى دورها البناء في سد الحاجات الماسة من الطعام، والكساء، والعلاج، وغيرها الكثير. وهذه أعمال عظيمة لا يستقيم المجتمع من دونها، غير أن المتأمل قد يتبادر إلى ذهنه بُعد أعمق. معلوم أن حاجات الإنسان لا تقتصر على الجسدية والمادية فقط، ماذا عن الفكرية؟ ألا ترى أن للعقل جوعًا أشدَّ خطرًا، قد لا يظهر سريعًا، لكنه قطعًا يساهم في صنع مستقبل الأمم أو انهيارها؟

إن الفقر المادي قد تسده سلة غذاء، أما الفقر المعرفي فربما يُورِّث لأجيال كاملة حالةً من العجز والتبعية والتلقّي المستمر دون تحصيل القدرة على الإنتاج والإبداع والابتكار. ومن هنا، فإن من أعظم الضرورات في العالم المتحضر هو بناء العقل الذي يستطيع لاحقًا أن يطعم نفسه ومجتمعه ووطنه.

هكذا يأخذنا السياق إلى الحديث عن أطروحة نرجو أن تستحق منكم التأمل والدراسة، وهي أن تتعاون الجمعيات الخيرية فيما بينها - ضمن عملٍ مؤسسي مشترك - وبالتنسيق مع رجال الأعمال والمهتمين بالتنمية البشرية، لإنشاء مركز علمي بحثي متكامل يخدم المنطقة بجميع أطيافها، بعيدًا عن الجانب الربحي، كونه استثمارًا طويل الأمد في تنمية الفكر المجتمعي.

لا نحتاج لمزيد من البحث لنثبت أن منطقتنا تزخر بالطاقات الشابة، وبالطلاب والطالبات الذين يمتلكون الفضول والقدرة والإبداع، لكنهم أحيانًا قد يفتقدون البيئة العلمية الحاضنة. فليس كل بيت قادرًا على توفير مختبر صغير، أو أدوات وأجهزة للقيام بالتجارب، أو مكتبة علمية متخصصة، أو بيئة علمية تحفّز على الاكتشاف. وهنا يمكن لهذا المركز أن يتحول إلى عقلٍ مجتمعيٍّ جماعي، تتكامل فيه المعرفة مع التطبيق، وتتخادم فيه المواهب مع الابتكارات.

يحتاج المركز إلى أن يضم مكتبة علمية حديثة، وقاعات محاضرات، وورش عمل تقنية، ومختبرات للتجارب العلمية المبسطة، وأقسامًا للمحاكاة الرقمية، ومعارض علمية تفاعلية، وبرامج لاستكشاف المواهب المبكرة وتنميتها، ودورات لتقوية الطلاب، ومسابقات للابتكار، وحاضنات للأفكار الناشئة، إضافة إلى تشجيع التأليف والبحث العلمي الميسر الذي يوثق روابط المعرفة بالحاجات اليومية.

ولعل أجمل ما في هذا الصرح العلمي هو أنه لا يقوم على الجهد الفردي المنعزل، بل على تطبيق مبدأ العمل الجماعي التكاملي. فالجمعيات الخيرية تتميز بالخبرة المجتمعية والثقة الشعبية، ورجال الأعمال يردفون بالقدرة على الدعم المالي والاستدامة، والمتخصصون والأكاديميون والمتقاعدون يزخرون بالمعرفة والخبرة العملية، وفي الوقت نفسه فإن الشباب ينبض شغفًا علميًّا وطاقةً. وعندما تجتمع هذه العناصر ضمن منظومة متكاملة وتحت سقف واحد، فإن المردود لن يكون مجرد مبنى، بل سيكون صرحًا علميًّا قادرًا على إعادة تشكيل الوعي العلمي للمجتمع.

إن كثيرًا من الدول لم تبدأ نهضتها من الثروات الطبيعية وحدها، بل نشأت ثقافاتها في حضن المختبرات الصغيرة، والورش التعليمية، والمسابقات العلمية، ومراكز المعرفة العامة، وبالتربية على النقاش والتحدي العلمي. فالعقل البشري حينما يجد البيئة المحفزة الحاضنة، يتحول من مجرد مستهلكٍ للتقنية إلى منتجٍ لها، ومن سلبية التلقي للأفكار إلى صنعها وتطويرها.

فكما كان بناء بئر الماء قديمًا ينقذ حياة الناس، فإن بناء صرح معرفيٍّ في هذا الزمن قد ينقذ عقولًا كاملة من الجهل والضياع والتبعية. هذه ليست دعوة مجردة بقدر ما هي محاولة لفتح باب التفكير خارج الإطار التقليدي للعمل الخيري، بحيث يتحول العطاء من الاستهلاك المؤقت إلى البناء المستدام، ومن علاج النتائج إلى صناعة المستقبل المشرق. ربما سيأتي يومٌ ندرك فيه أن أعظم ثروة يمكن أن تتركها المجتمعات لأبنائها، بالإضافة إلى الأبراج والطرق، ستكون العقول التي تعرف كيف تبني، وكيف تفكر، وكيف تسأل، وكيف تُصلح الأرض بالعلم والابتكار.