من الضروري جداً فهم وظائف الدماغ الأساسية
يتكون 60% من دماغ الإنسان من الدهون، مما يجعله أكثر أعضاء الجسم دهنية. هذه الأحماض الدهنية ضرورية لأداء دماغك، لذا احرص على تزويده بمغذيات صحية تعزز وظائفه. لا يكتمل نمو دماغك حتى سن 25 عامًا. يبدأ نمو الدماغ من الجزء الخلفي منه ويتجه نحو الأمام. ونتيجة لذلك، فإن الفصوص الأمامية، المسؤولة عن التخطيط والتفكير، هي آخر ما يتطور ويُعزز الروابط العصبية. من الخرافات الشائعة أن الإنسان لا يستخدم سوى 10% من دماغه. في الواقع، يستخدم الإنسان كامل دماغه، حتى أثناء النوم. يؤكد أطباء الأعصاب أن الدماغ نشط دائمًا.
تحتوي قطعة من نسيج الدماغ بحجم حبة رمل على 100,000 خلية عصبية ومليار مشبك عصبي. مع ذلك، يمكن أن يكون لتلف الخلايا العصبية تأثير كبير. على سبيل المثال، أثناء السكتة الدماغية، لا يستطيع الدم إيصال الأكسجين إلى الدماغ. نتيجة لذلك، قد تموت خلايا الدماغ، وقد تُفقد القدرات في تلك المنطقة من الدماغ. وبالمثل، يحدث مرض باركنسون عندما تبدأ خلايا في جزء من الدماغ يُسمى المادة السوداء بالموت. يستهلك الدماغ البشري حوالي 20 واطًا من الطاقة «تكفي لتشغيل مصباح كهربائي». كل هذه الطاقة تتطلب راحة ضرورية. يساعد النوم الكافي على الحفاظ على سلامة المسارات العصبية في الدماغ. بالإضافة إلى ذلك، تشير الأبحاث إلى أن الحرمان من النوم مرتبط بمرض الزهايمر.
هناك نظرية جميلة جدًا قرأتُها من كتاب، تعود للكاتب نفسه، وهي أن الإنسان كائن تلقائي. يتابع: لا يولد الإنسان بعقل جاهز، إنما يولد الإنسان بقابليات فارغة، غير متشكلة، مفتوحة، ومتعطشة، ومرنة، وتتفاوت من شخص إلى آخر؛ قابليات مطواعة للتشكل بمن يسبق إليها من أي نسق ثقافي، مهما كان نوعه واتجاهه ومحتواه.
هذا التشكل التلقائي يجعل العقل الإنساني صناعة تلقائية، كما تُقيم كل ثقافة حول نفسها الحصون والمتاريس لتحمي نفسها، وتعزز أنساقها السائدة، وتحافظ على واقعها كما هو، بغض النظر عن صحته أو خطئه؛ فالتعود من خصائص الإنسان، ولا يشعر بهذا التعود، ولا ينكر العقل ما اعتاده، ولا يرى نقصًا أو خللًا فيه، ظانًا أنه اكتسبه بذاته وبجهده، والحقيقة أنه تشربه تلقائيًا بلا نقد أو تحقق.
كما أثبتت الدراسات في فسيولوجيا ووظائف الدماغ، أن الأنساق التأسيسية وما يتطبع به الفرد تلقائيًا، وما يعتاد عليه اعتيادًا، وما يكرر فعله، كل هذا يُغلَّف داخل دماغ الإنسان بمادة كيميائية عازلة تدعى Myelin, ويزداد هذا التغليف الانتقائي العازل بمقدار التكرار والتعود والرسوخ، ومهمة التغليف العازل لهذه المعلومات إخفاؤها عن رقابة الوعي، لتصبح تلقائية.
إن العلم الدقيق ليس إضافةً وتكديسًا للمعلومات في جهة حُددت سلفًا، بل العلم طريقة تفكير وتصور، وطريقة للتحقق والتعامل الموضوعي، وبلورة رؤية الإنسان والمجتمع والكون والمستقبل، ونقد وتغيير للتصورات بإحلال التصورات التي تحققنا منها علميًا مكان التصورات الخاطئة التي تشربناها تلقائيًا بلا نقد وتحقق. لذا نجد أن الصور الشكلية والتلقينية في التعليم النظامي حول كثير من الدول منخفضة الفائدة؛ لأنها تكرس التناسخ الثقافي، وحتى من يدعي تعليم الناس وبرمجتهم في كل ثقافة هو في حقيقته مبرمج مثلهم.
إن انعتاق الإنسان من تشكّل عقله التلقائي ليس سهلًا، بل ويحتاج إلى استفزاز شديد جدًا وجهد غير عادي. لا يأتي الانعتاق والإفاقة من أسر الثقافة التلقائية اختيارًا، بل هو نتيجة صعبة لحصار الأسئلة الدافع للشك والنقد والبحث والمراجعة والتحقق المنضبط بالمعايير العلمية. لا يستطيع 99% من الناس أن يتحققوا من تلقائيتهم بأنفسهم.
انكسار تلقائية الفرد هو قدر لا اختيار له فيه، ولم يخطط له الفرد. ويحتاج العقل لمن يتحداه ويستفزه لكي يتحرك وينمو، ولا يفيد العقل ممن يحميه؛ لأنه يقيده ويعطله.
إن اختلاف تاريخ الأمم مصدرٌ لاختلاف عقلياتها، وبهذه الاختلافات تتشكل أنساق ثقافية إنسانية تلقائية عديدة، متباينة ومتنوعة، وهكذا تتباعد الأمم بمقدار الفروق بين الأنساق الثقافية، والتي تتكون وتتشكل وتتراكم تلقائيًا بلا فحص أو نقد أو مراجعة.
وإذا لم تمر هذه الأنساق الأممية التلقائية بتصحيح حقيقي، فمآلها، مهما امتدت القرون، أن تستنسخ وتستمر كما هي في المراحل التالية لتكوينها، وتتوارث، وتعمق مجراها، إلا إذا حدث تصحيح حقيقي يُنتج قطيعة معرفية، تقهر النسق السائد.
هذا يبقي الشعوب بلا استثناء مرتهنة لأنساقها وكياناتها الثقافية المتوارثة. فعلى سبيل المثال، الشعب اليوناني: مصدر ومضة الضياء الفكرية اليونانية هو بضعة أفراد استثنائيين فقط، ولم يكن الشعب كله؛ فلقد طارد الشعب اليوناني مفكريه، وأُعدم سقراط بحجة أن أفكاره مفسدة للشباب.
ختامًا، من المهم جدًا أن نتأمل بعمق مقولة الدكتور هنري ماركرام، «رئيس المشروع الأوروبي للدماغ البشري»، يقول: أعتقد بإخلاص أنه لو فهم العالم كيف يعمل الدماغ، فسوف تُحل النزاعات في كل مكان.













