في الحجِ الاقتصاد ليس أولاً
تُعد التقنية والرقمنة والذكاء الاصطناعي من أبرز سمات موسم حج 1447 هـ «2026 م»، وبرز ذلك جلياً للملأ عبر وسائل التواصل والقنوات الإخبارية، وبالتأكيد فالأمر لا يرد كله للتقنية بل للتفكير والتدبير وجودة التنفيذ والحوكمة وصرامة الالتزام، اعتمدت الجهات المعنية على منظومة تقنية متكاملة لإدارة الحشود وتحسين تجربة ضيوف الرحمن، فعلى سبيل التحديد لعبت منصة نسك الدور المحوري كمنصة رقمية شاملة، إلى جانب نظام بصير الذكي الذي طورته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا»، الذي مكّن من مراقبة الحشود في الوقت الفعلي باستخدام الرؤية الحاسوبية والكاميرات المتطورة والمسيرات، مما ساهم في الكشف المبكر عن أي تجمعات وتوجيه الحشود بكفاءة ودقة عالية.
والنتيجة أن نجح موسم حج 1447 هـ «2026 م» بامتياز، حيث فاق إجمالي أعداد الحجاج 1.7 مليون حاجًا وحاجَّة. ويأتي هذا النجاح ثمرة جهود برنامج خدمة ضيوف الرحمن الذي أُطلق عام 2019 ضمن رؤية المملكة 2030. والذي ساهم في رفع الطاقة الاستيعابية للحج والعمرة بشكل كبير، إذ ارتفع عدد المعتمرين من حوالي 8 ملايين قبل إطلاقه إلى أكثر من 18 مليون معتمر في عام 2025، بينما عاد الحج إلى مستويات قياسية بعد جائحة كورونا.
اقتصادياً، تحول قطاع الحج والعمرة إلى محرك رئيسي للتنويع غير النفطي. إذ تُقدر مساهمة القطاع حالياً بنسبة تتراوح بين 4% و 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وبحوالي 20% من الاقتصاد غير النفطي، ويدعم نحو مليون وظيفة مباشرة، متجهًا نحو 1.6 مليون وظيفة بحلول 2030. وأكدت دراسات عدة وجود علاقة سببية إيجابية بين زيادة أعداد الحجاج والمعتمرين ونمو الناتج غير النفطي.
ومن أبرز المبادرات والتطورات الملموسة التي حققها البرنامج، إطلاق منصة «نسك» الرقمية الشاملة التي أصبحت النافذة الوحيدة لإصدار التأشيرات والحجوزات والخدمات، مما اختصر الزمن اللازم لإصدار التأشيرة من أسابيع إلى ساعات قليلة. كما شملت المبادرات تسهيل إجراءات التأشيرات الإلكترونية للعمرة والزيارة، وإطلاق تأشيرة السياحة الدينية التي فتحت الباب أمام أكثر من 180 جنسية. بالإضافة إلى ذلك، تم تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى مثل توسعة المطاف، وتشغيل قطار الحرمين عالي السرعة، وتطوير الممرات الذكية، إلى جانب برامج إثراء التجربة الثقافية من خلال تطوير 15 موقعاً تاريخياً إسلامياً.
هذا كله لا يرتكز على فكر اقتصادي ابتدأ بل على إثراء وتجويد تجربة الحاج والمعتمر والزائر لتكون روحانية إلى الحد الأقصى وخالية من التشويش والمنغصات، فمكاسب ذلك - من وجهة نظر السعودية والسعوديين - أعلى مكانةً من أي مكسبٍ مادي، وليس أدل على ذلك من أن الإطار الحاكم لبرنامج ضيوف الرحمن هو تمكين أكبر عدد ممكن من المسلمين حول العالم من أداء فريضة الحج ومناسك العمرة بيسر وسهولة، من خلال: تسهيل إجراءات التأشيرات والوصول إلى الحرمين الشريفين، رفع القدرة الاستيعابية لتصل إلى 30 مليون معتمر سنوياً بحلول 2030، تطوير البنية التحتية والخدمات اللوجستية لضمان سلاسة الرحلة منذ التخطيط وحتى العودة إلى الوطن. وعند التمعن سندرك أن الاستعداد لموسم الحج القادم قد بدأت من زمن، فعجلة الاهتمام بضيوف الرحمن لا تهدأ وتتوالى أزلياً دون كلل.













