حين يُعلِّمنا الحسين كيف نعود إلى الله تعالى «2»
ورد عن الإمام الحسين
في دعاء عرفة: «أَنَا الَّذِي أَسَأْتُ، أَنَا الَّذِي أَخْطَأْتُ».
تلك الدروس الروحية التي تصب وتسير في ميدان مجاهدة النفس وصناعة الشخصية المتألّقة نستقيها من مثل هذه المضامين والقيم العالية التي تحتويها هذه الأدعية المباركة، حيث يعلمنا الإمام الحسين
أدب الخطاب مع الله تعالى بأبلغ وأروع الكلمات والمعاني من جهة، ومن جهة أخرى يهذّب نفوسنا ويدخلها في دائرة المعارف الحقة والمنهج الأخلاقي من خلال الاعتراف والإقرار بالخطأ، والتحرك في كل خطانا من منطلق تحمل المسئولية بالمعالجة والترفع عن الآفات الأخلاقية مستقبلا، إذ أن الخطيئة الكبرى التي ارتكبها الإنسان على امتداد تاريخ البشرية هو التهاون مع الأخطاء والاستمرار في طريق الغيّ والآثام والإصرار عليها إلى منتهى عمره والرحيل، مع أن باب الرحمة الإلهية الواسعة مفتوح لكل عاصٍ يلجه في أي لحظة يفيق فيها من جهالته وغفلته، فتحرّكه اليقظة الروحية نحو التراجع والعودة إلى الله تعالى والإقلاع عما كان مقيما عليه من الخطايا، وهو ما يدعونا إليه الإمام
بالتمسّك بخيط الأمل بالله تعالى والانفتاح على خط محاسبة النفس واتخاذ القرار الصارم دون تراخٍ أو تسويف.
يعيش البعض محاطا بوهم القدرة الفائقة ويتملّكه الغرور ووهم الكِبر بسبب امتلاكه لبعض القدرات والمواهب الخاصة، ويغيب عنه أفق التدبير الإلهي المفتقِر إليه في جميع شئونه، وعلى دكّة الاعتراف والإقرار بالخطايا وأوجه التقصير تتهاوى كل تلك الصور الزائفة عن نفسه، وتتجلّى أمامه حقيقة معرفية مفادها أنه مهما بلغ مبالغ التألق والإبداع في أي الجوانب من حياته فإنه لا يصل إلى مبتغاه إلا بتوفيق إلهي.
هذا المقطع من دعاء الإمام الحسين
يصنع شخصية الإنسان المتكامل، والذي يحمل روحا إيجابية ومنفتحة على محطات الأخطاء بالأمل والمبادرة إلى التوبة، فلا مكان للتشاؤم وردود الأفعال السلبية والوقوع في براثن اليأس واجترار الآلام وانسداد أفق المستقبل، بل هو توافق مع حقيقة وطبيعة الإنسان في لحظات ضعفه وغفلته وإبداء المعالجة المناسبة معها، والتي تبدأ من الإقرار بالخطأ وهذا ما يصنع إنسانا واعيا بحقيقته، يرى ذنبه فيبادر إلى التوبة ويرى رحمة الله تعالى فيمتلئ أملا، فقد أراد الإمام الحسين
أن يعلّم الإنسان أن الطريق إلى الله تعالى له معالمه ومنهجيته، فيبدأ مساره التصحيحي بالانكسار الصادق لا بادّعاء الكمال، فكلّما تحطّمت أصنام الأنا داخل النفس البشرية اقترب العبد من الله تعالى أكثر وفق منهجية معرفية وسلوكية، ولهذا كانت لغة الدعاء مليئة بالخضوع والاعتراف والتذلّل بين يدي محراب العبادة والطاعة؛ لأنها الكلمات والأدب الذي يناسب مقام الربانية والعبودية.
من أعظم الدروس الروحية في هذا المقطع الدعائي أن الاعتراف بالخطأ هو بداية التصحيح ومسلك النجاة، فالذنوب لا تُهلك الإنسان بقدر ما يهلكه الإصرار عليها والغفلة عن معالجتها كآفات سلوكية، وأمّا القلب الذي يتألّم بسبب تقصيره فهو قلب نابض بالحيوية والأمل، وما زال يحمل بين جوانبه نور الفطرة السليمة وومضات الضمير اليقظ.













