لا تفترض
الإنسان بطبعه يصنع افتراضات عديدة لكي يمضي أيامه وساعاته إلى الأمام أو ينجز عملًا ما. فالمدرس يفترض أن الطلاب سيلتزمون بأداء واجباتهم الدراسية دون غش أو تدليس لكي يفهموا الدرس بشكل أفضل. والأب الكادح يفترض أن أبناءه سيذاكرون دروسهم عندما يغلقون أبواب غرفهم وسيخلدون للنوم بعد تناولهم لوجبة العشاء ليلًا. والسائق في الطريق يفترض أن مستخدمي الطريق الآخرين سيتقيدون بالأنظمة المرورية عند استخدامهم للطريق كما هو… وهكذا دواليك. غير أن هناك افتراضًا واقعيًا، وافتراضًا تخيليًا وهميًا.
يبرز سؤال: ما الذي يجعلك، أو يجعل غيرك، محبطًا من أفعال أو أقوال أو تصرفات أو ردود أفعال بعض من المقربين لك؟! وقد تعبر عن استيائك وغضبك وعدم رضاك في وقت وقوع الحادثة أو بعد حين! وقد تتخذ قرارات مصيرية كالنأي بالنفس أو المغادرة للمكان أو الانفصال أو القطيعة بناء على درجة حدة إحباطك أو خيبة أملك التي شعرت بها حينذاك، وأشقيت نفسك بها مدة زمنية ما!
في أوقات كثيرة تجد معظم الناس المحيطين بك لهم مقاصد ورؤى تختلف عن رؤاك وتطلعاتك وآفاقك وبعض أفكارك. وعند نشوء تصرف ما من ذاك البعض، فقد تفسره أنت أو غيرك على أنه نكث بالعهد أو سعي لإيقاع أذى أو تعمد الإهمال أو التجاهل أو تبديل الاصطفافات والمواقف أو تغير النوايا؛ بينما الواقع أن المحيطين بك كبروا ونضجوا، وما وقع من تصرفاتهم لا يعدو أكثر من تعبير عن رأي مستقل أو اتخاذ موقف فردي، وكل ما في الأمر أنهم فقط يتصرفون بطريقة بعيدة عن توقعاتك وتصوراتك المعلبة عنهم!
وقد يكون الإحباط والألم الذي يشعر به هذا أو ذاك من الناس تجاه بعض العناصر البشرية المحيطة بهم هو بسبب أن المصابين بخيبة الأمل صنعوا نسخة وردية متخيلة عن أولئك الأشخاص في أذهانهم، حتى إنهم أخذوا يعتقدون أن الناس يفكرون مثلهم، ويردون الجميل بأحسن مما يفعلون، ويفكرون بالطريقة ذاتها، ويهتمون بالمواضيع ذاتها، ويدرجون الأولويات ذاتها، ويحترمون الأمور ذاتها بالطريقة التي هم ألزموا أنفسهم بها وتقيدوا بها.
ومن هنا تأتي المعاناة أو الصدمة لدى البعض بعد وقوع تشتتٍ في ردود الفعل لحدث ما، وتبدأ قصص الاصطدام بالواقع. عند التمحيص لمواقف البعض ما بعد وقوع حدثٍ مفصليّ، فإن الأوراق والناس يكونون في مفترق طرق. ما بين مؤيد وغير مؤيد وصامت متفرج، وما بين فاعل وسلبي وقناص فرص ومراءٍ.
المعضلة الكبرى لدى البعض، وهي بالواقع ليست بمعضلة، هي إسقاط القيم والقناعات ذاتها التي يؤمن بها أحدهم على الآخرين، وتوقع أن الآخرين سيتصرفون بناء على تلكم القيم والقناعات. الأدهى والأنكى أن يتوقع البعض أن الشيء ذاته البديهي بالنسبة لهم واجب أن يكون بديهيًا وواضحًا للآخرين أيضًا!
أغلب الناس المستقلين لا يتصرفون بناء على أولويات مشاعر وتخيلات الآخرين، وإنما هم يتصرفون بناء على رؤيتهم وأولوياتهم ومصالحهم، وإن تقاطعوا في القيم والمبادئ ذاتها مع الآخر.
عزيزي الإنسان الراقي، لطفًا توقف عن أن تتوقع أن الناس هم نسخة منك فكرًا وإيمانًا وقناعةً وتصرفًا وسلوكًا. إنهم باختصار يتصرفون ويفكرون كما أنت تتصرف وتُفضل وتحس وتتنبأ وتحلل وتنفذ.
عزيزي الإنسان المُفترض، لا تجعل من نفسك حائطًا واهيًا ولا سورًا مرتفعًا، وإنما توقف عن إعطاء افتراضات خاطئة عمن هم في محيطك، وامضِ في حياتك بناء على الأكثر جدوى لمشروعك لكي تعيش بسلام، وتفادَ إسقاط قناعات وخيالات في حق أشخاص آخرين، فربما خسرتهم أو خسروك. تفادَ الافتراضات الخاطئة في حق الآخرين! واعمل بأقصى جهدك لترسيخ أساليب التواصل الفعال مع محيطك لإبلاغ خطتك، ورسالتك، وشرح أهدافك.
للبعض قيم ومفاهيم ومصطلحات تشكلت وبنى عليها منذ الطفولة أو سن المراهقة، وشكل محاور علاقاته عليها؛ ومنها على سبيل المثال: الإيمان بالله، واحترام الدين، والدفاع عن الأرض والمال والشرف، وصلة الرحم بشكل دائم، والالتفاف حول الأسرة، والسعي الدؤوب لإحراز الحد الأدنى من الكرامة المالية، والقناعة بما قسم الله، واحترام الناس، وجبر الخواطر، وتجنب إيذاء الناس، وحفظ الحقوق.
وهناك من بنى كل قيمه على أساس أن الغاية تبرر الوسيلة، وأنه ليس هناك قيم ثابتة ولا حق مطلق ولا عدالة، وإنما لكل شيء ثمن مالي ملموس، وأن المصالح في وجهة نظرهم أهم من أي قيم واعتبار آخر، وأن التغيير يجب أن يطول كل شيء حتى الثوابت وصلة الرحم، كما طال التجارة والعلوم والتقنية والأعراف!
حتماً التغيير المتسارع في كل بقاع العالم بنى جسورًا وفرصًا جديدة لأناس إيجابيين، وكرس مفاهيم قاصرة لأشخاص آخرين؛ وفي الوقت ذاته جرف التغيير غير المنضبط وسيجرف الكثير من الناس في عدة نطاقات، منها نطاق الأفكار ونطاق أنماط المعيشة والمفاهيم، لا بل والقيم والسلوك والاتزان. ولذا على الإنسان الواعي أن يقفز على أي افتراض عمن هم حوله، ويعطي كامل ثقته لله ولكلمات الله التامة ووعوده الصادقة مهما أظلمت الدنيا؛ أما سواه من الأحياء فهم قابلون للتغيير، والبعض ينجح والبعض يرسب والبعض ينمو نحو الأفضل والبعض ينجرف نحو الأسوأ.
بناءً عليه ينصح أهل الاختصاص في التواصل الفعال «Effective Communication» بأنه عند حديثك مع شخص ما، ورغبتك في التأكد من إيصال رسالة أو عقد اتفاق ما، أن تسأله في الختام عما فهمه من حديثك وعما اتفقتما عليه. تأكيد فهم الطرف الآخر لمسودة اتفاقك وتعهده بالالتزام بذلك يجنب أي إحباط أو خذلان أو اهتزاز في الثقة.
يحدث وحدث وسيحدث نكث للعهود من قبل أشخاص وقعوا في حب الدنيا إلى أخمص أقدامهم. فسجل ويسجل التاريخ من باع بني جلدته من أجل امرأة جميلة، ومن باع أهله من أجل حفنة من مال، ومن استباح حرم الله من أجل وجاهة مزورة، ومن خذل أبويه من أجل سراب، ومن استخفّ بوعود شريك حياته من أجل وهم منصب وظيفي، ومن استهان بزملائه وبني قومه من أجل استضحاك متابعين له في وسائل التواصل الاجتماعي!
وعليه ننبه الإنسان الواعي والعاقل على قراءة سلوك وأفعال من يريد أن يبني آماله وأعماله وطموحه معهم، وتمحيصهم قبل أن يفترض افتراضات خاطئة عن مثل أولئك الأشخاص.














