آخر تحديث: 1 / 6 / 2026م - 7:12 م

محاكمة المحاولة

عماد آل عبيدان

أحسست بشيء غريب يتسلل إلى حياتنا بهدوء حتى ألفته العيون دون أن تنتبه إلى مقدار ما غيّره في النفوس.

أصبح الإنسان مطالبًا أن يبدو قويًا دون اضطراب ولا ألم طوال الوقت وأن يخفي تعبه وتعثره وكفاحه حتى لا يراه أحد.

ولهذا صار كثيرون لا يخشون الفشل بقدر ما يخشون أن يراه الآخرون.

وقد تذكرت ذلك وأنا أقرأ منشورًا عن مطعم صغير لأحد أبناء المنطقة.

لم يكن إعلانًا احترافيًا، ولا قصة استدرار للمشاعر.

كان تعريفًا بصاحب المشروع وحكايته وبمحاولته أن يبني عملًا يعينه على مسؤولياته الأسرية.

لكن أحد المعلقين رأى أن الحديث عن ظروف صاحبه يسيء إلى المطعم ويوحي بأن المشروع غير ناجح.

وهنا توقفت عند سؤال أكبر من المطعم نفسه:

كيف أصبح ذكر الكفاح عند بعض الناس قريبًا من التهمة؟

فصاحب المشروع لم يطلب صدقة ولم يطلب من أحد أن يحمل عنه مسؤولياته هو فقط عرّف الناس بحكايته كما عرّفهم بمشروعه.

وحين شاهدت المادة الأصلية وجدت أنه ذكر أبناءه من ذوي الاحتياجات الخاصة وأن المشروع جزء من محاولته أن يصنع لهم موردًا واستقرارًا في الحياة.

كان يتحدث عن عمل يريد له أن يستمر لا عن عبء يريد من الآخرين أن يحملوه عنه.

ولعل اللافت أن الناس فهموا الرسالة بهذه الصورة فقد أخبرني أحد الأصدقاء والأقارب أنه زار المطعم في تلك الليلة وكانت المفاجأة حجم الإقبال والزحام الموجود فيه حتى قال مبتهجًا مفتخرًا.. ”يبدو أن أهالي القطيف كلهم تفاعلوا مع الإعلان.“

وربما لأن المجتمع لا يلتف حول الاستجداء بقدر ما يلتف حول المحاولة الصادقة.

المؤلم أن بعضنا أصبح يقرأ كل معاناة على أنها استثارة للمشاعر وكل حديث عن الكفاح على أنه ضعف في التسويق.

وكأن الإنسان مطالب أن يظهر دائمًا في هيئة المنتصر الذي لا يتعب.

مع أن الحياة لا تسير بهذه الصورة.

وأخطر ما تفعله هذه النظرة أنها تبعث برسالة خفية لكل من يحاول..

أخفِ بدايتك حتى تنجح.

وأخفِ تعبك حتى تُقبل.

ثم تعال إلينا عندما تصبح قصة نجاح مكتملة.

وهذه رسالة قاسية.

فالحياة كلها قائمة على المحاولات والبدايات غير المكتملة.

فأجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يرى محاولة ناشئة أن يسأل نفسه..

هل أريد أن أساعدها على أن تصبح أفضل؟

أم أريد فقط أن أثبت أنني رأيت النقص قبل غيري؟

بين السؤالين فرق يشبه الفرق بين من يغرس شجرة ومن يكتفي بعدّ أوراقها اليابسة.

فقد ينسى الناس كثيرًا من الآراء والتعليقات لكنهم نادرًا ما ينسون يدًا دفعتهم إلى الأمام يوم كانت خطواتهم الأولى ترتجف.

ولعلَّ أجملَ ما نتركه في طرق الآخرين الأثرُ الطيبُ الذي يعينهم على إكمال الطريق، لا أحكامُنا عليهم.

لذا..

قل خيرًا أو اصمت.