آخر تحديث: 4 / 6 / 2026م - 7:50 م

هكذا تموت المؤسسات

عندما نسمع أن كيانًا ما، أو منظمة ما، قد أغلقت أبوابها أو أعلنت عن إفلاسها أو انسحبت من السوق بعد سنوات طويلة من الحضور والتأثير، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان أو يخطر على البال أن المنافسة الشرسة كانت السبب، أو أن مواردها المالية والبشرية قد تراجعت، أو أن إيراداتها لم تعد كافية لضمان بقائها واستمرارها، وهي تفسيرات قد تكون صحيحة ومبررة في بعض الحالات، لكنها لا تروي القصة كاملة.

فالحقيقة التي يغفل عنها كثيرون: أن المؤسسات أو المنظمات لا تموت يوم إعلان وفاتها، أو يوم إغلاق أبوابها أو يوم مغادرة آخر موظف أو عامل لمكاتبها، بل تموت حين تفقد قدرتها على التعلّم والتجدد، وحين تتوقف عن مراجعة ومحاسبة ذاتها، وحين تقتنع بأن ما نجح بالأمس سيظل ناجحًا إلى الأبد.

أو تموت حين يصبح الماضي مرجعٍ مقدسًا لا يُراجع، والنجاحات القديمة شهادة دائمة لا تحتاج إلى تجديد، أو حين يُنظر إلى الثقافة السائدة، والهياكل التنظيمية، والإجراءات القائمة على أنها أصنامٌ لا تُمس مهما تغيرت الظروف أو تبدلت الاحتياجات، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف تموت المؤسسات وهي ما زالت تعمل؟ وما هي الأسباب؟ وكيف يمكن معالجتها؟

ظاهرة التكلس الإداري

إن من أخطر الظواهر الإدارية التي يمكن أن تصيب الكيانات أو المنظمات ظاهرة «التكلس أو التحجر أو الجمود الإداري»، ذلك المرض التنظيمي الصامت الذي لا يقتل المؤسسة دفعة واحدة، بل يستنزفها ببطء حتى تفقد قدرتها على الحياة، ومع مرور الوقت يحولها من منظمةٍ تتعلم وتتطور وتبتكر إلى منظمةٍ تكرر نفسها وتُعيد إنتاج أفكارها وأساليبها القديمة جيلاً بعد جيل، بينما يتغير العالم من حولها بوتيرة متسارعة بلا توقف.

كيف يبدأ الجمود الإداري

وإذا كان هذا المرض يُصيب المؤسسات تدريجيًا فيُفقدها قدرتها على التعلّم والتكيف والتجدد، فإنه لا ينشأ من فراغ، أو من حدثٍ عابر، أو من قرار مفاجئ، بل يتكوّن تدريجيًا عبر سنوات من التراكمات الفكرية والسلوكية والتنظيمية، وأن المنظمات ليست سوى انعكاس لعقول من يقودونها ويُديرونها ويعملون فيها، ولذلك فإن المؤسسة المتكلسة غالبًا ما تكون نتيجة لموظفين أو مديرين أو قادة أسرى للأفكار القديمة، والممارسات الموروثة والقناعات التي كانت ناجحة في زمن مضى، لكنها لم تعد قادرة على مواكبة واقع يتغير كل يوم.

وتشبه هذه الحالة ما يُروى عن قبطان سفينة ظلّ يبحر لعقود طويلة من الزمن مستندًا إلى خرائط قديمة أوصلته في الماضي إلى وجهته بأمان، ومع مرور السنوات تغيّرت الممرات البحرية، وتبدلت اتجاهات الرياح والتيارات، وظهرت معالم جديدة لم تكن موجودة من قبل، إلا أن القبطان رفض تحديث خرائطه أو الاستماع إلى تحذيرات طاقمه.

وكان يردد دائمًا: «لقد نجحنا بهذه الخرائط سابقًا فلماذا نُغيّرها؟» أو «هذا ما اعتدنا عليه منذ سنوات، فلماذا نبدله الآن؟» أو «طالما أن السفينة لم تغرق، فلا حاجة لتغيير اتجاهها»، واستمرت السفينة في الإبحار بالطريقة نفسها حتى اصطدمت في النهاية بعوائق لم تكن موجودة على خرائطها القديمة وتلاشت.

عندها قال أحد البحارة عبارة بقيت تتردد طويلًا: «لم تُضلّ السفينة طريقها يوم اشتدت العاصفة، بل يوم اعتقد قائدها أن خرائط الأمس تكفي لعبور بحار اليوم». وما أجمل ما قاله مؤسس «المدرسة الاقتصادية الكينزية» جون مينارد كينز حين قال: «الصعوبة الحقيقية ليست في تقبل الأفكار الجديدة، بل في التخلص من الأفكار القديمة». وإذا كانت قصة السفينة تُجسد الجانب الرمزي للمشكلة، فإن السؤال الأهم هو: ما الذي يجعل المؤسسات تقع أصلًا في هذا الفخ؟

أسباب ومبررات الجمود الإداري

قد يتساءل البعض: ما الذي يدفع بالمدراء أو القادة إلى هذا الجمود؟ ولماذا تتحول المؤسسات من كيانات نابضة بالحيوية والتجدد إلى هياكل جامدة تتحرك في المكان نفسه رغم تغير العالم من حولها؟

يرى عدد من الباحثين والمنظرين في الإدارة أن التكلس الإداري لا ينشأ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم مجموعة من الممارسات والقيم والمعتقدات والأفكار والعادات والسلوكيات غير المكتوبة التي يتبناها أفراد المؤسسة وتؤثر في طريقة تفكيرهم وعملهم وتعاملهم واتخاذهم للقرارات.

ومن أكثر الأسباب التي تكررت في الدراسات الإدارية هي الروتين المفرط، والخوف من المخاطر، وغياب ثقافة التعلّم المستمر، فالروتين في أصله ليس عيبًا، بل هو ضرورة لتنظيم العمل وضبطه، غير أن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات من وسائل تخدم الهدف إلى غايات بحد ذاتها، كالحضور والانصراف على سبيل المثال، فالأصل في نظام الحضور والانصراف هو ضمان الالتزام وتحقيق الإنتاجية، لكن في بعض المؤسسات يصبح الموظف الناجح هو من يحضر في الوقت المحدد ويُغادر في الوقت المحدد، حتى لو كان إنتاجه ضعيفًا، بينما يُنتقد موظف آخر لأنه تأخر دقائق معدودة رغم إنجازه لأعمال تفوق غيره.

أما الخوف من المخاطرة، فهو الوجه الآخر للتكلس، فالمؤسسات المتجددة تُدرك جيدًا أن التطور لا يخلو من المخاطر، لكنها تتعامل معها بعقلانية وتوازن، بينما تميل المؤسسات المتحجرة إلى تقديس المألوف والتمسك بما اعتادت عليه، حتى لو أثبت الواقع أن الظروف قد تغيرت، وأن الأوضاع قد تبدلت، ومع مرور الوقت يصبح الحفاظ على الوضع القائم هدفًا بحد ذاته، ويتحول الحذر المشروع إلى خوف مرضي من كل فكرة جديدة أو تجربة مختلفة.

ويأتي غياب ثقافة التعلّم في مقدمة الأسباب وأكثرها تأثيرًا، لأن المؤسسة التي تتوقف عن التعلّم تبدأ فعليًا رحلة التراجع ورحلة الانفصال التدريجي عن الواقع حتى وإن بدت ناجحة في ظاهرها، وذلك لأن النجاح القديم قد يتحول إلى فخٍ نفسي وتنظيمي يجعلها تعتقد أنها لم تعد بحاجة إلى المراجعة أو التطوير، وعندما يتوقف التعلّم تظهر عدة أعراض من أهمها تكرار الأخطاء نفسها، ومقاومة الأفكار الجديدة، والاعتماد على الخبرات القديمة، وانقطاع التواصل المعرفي بين الأجيال الوظيفية وما إلى هنالك. ولذلك يرى كثير من الباحثين أن التكلس الإداري هو في جوهره فشل في التعلّم أكثر من كونه فشلًا في الإدارة.

كيف يمكن تجنب الجمود الإداري

إذا كان التشخيص يبدأ من لحظة توقف المؤسسة أو الفرد عن التعلّم، فإن العلاج يبدأ بإعادتها إلى حالة التعلّم من جديد، فالمؤسسات أو الأفراد الحيّة ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تتعلم من أخطائها وتراجع أفكارها وأنظمتها وإجراءاتها بصورة مستمرة، فالكيانات التي تتعلم تتجدد، والتي تتجدد تستمر، أما التي تكتفي بتكرار نفسها فإنها تبدأ رحلة التراجع وهي تظن أنها ما زالت تتقدم.

وهنا تستحضرني قصة شركة كوداك: الشركة الأقوى والأكثر حضورًا في عالم التصوير لعقود طويلة، غير أنها عندما تمسكت بنجاحها التاريخي ولم تُجدّد نفسها تراجعت تدريجيًا حتى سقطت من موقع الريادة الذي ظنت يومًا أنه مضمون إلى الأبد، مع أنها كانت من أوائل الشركات العملاقة التي طورت الكاميرا الرقمية، بل إنها كانت تملك التقنية قبل كثير من منافسيها.

ولعل أخطر ما في التكلس الإداري أنه لا يُشعر ضحاياه بالخطر في بداياته، بل يمنحهم شعورًا زائفًا بالاستقرار والاطمئنان، فكل شيء يبدو مألوفًا ومنظمًا وتحت السيطرة، والنتائج القديمة ما زالت حاضرة في الذاكرة، فيظن القادة أو المدراء أن الأمور تسير على ما يرام، بينما تكون الفجوة بينهم وبين الواقع المتغير آخذة في الاتساع يومًا بعد يوم، وهذا ما أكدته دراسات التعلّم التنظيمي، وفي مقدمتها أعمال بيتر سينغي وجون كوتر، التي خلصت إلى أن: «المؤسسات الأكثر قدرة على البقاء ليست الأقوى ماليًا أو الأكثر حجمًا، أو الأسبق إنتاجًا، بل الأكثر قدرة على التعلّم والتكيف مع المتغيرات».

الخاتمة

وفي نهاية المطاف يمكننا أن نقول: إن المؤسسات لا تموت عندما تنخفض أرباحها، ولا عندما يشتد عليها المنافسون، ولا حتى عندما ترتكب بعض الأخطاء من هنا وهناك، ولكنها تموت يوم تفقد فضول التعلّم، وشجاعة التغيير وقدرتها على مراجعة نفسها، تموت عندما تتحول الأنظمة فيها إلى أصنام، والإجراءات إلى قيود، والنجاحات القديمة إلى أوثان فكرية لا يجوز الاقتراب منها، وعندها لا يكون إعلان الإفلاس أو الإغلاق سوى شهادة وفاة رسمية لمرضٍ بدأ منذ سنوات طويلة، يوم قررت أن تحرس الماضي بدلًا من أن تصنع المستقبل، وأن تكرر ما تعرفه بدلًا من أن تتعلم ما تحتاج إليه.

وكما قال بيتر دراكر: «أعظم خطر في أوقات الاضطراب ليس الاضطراب نفسه، بل أن نستمر في التصرف بعقلية الأمس».