آخر تحديث: 4 / 6 / 2026م - 9:05 م

«أبو علي» الرجل الطيب

ياسين آل خليل

رحمك الله يا «أبا علي» يا والدي العزيز، أيها الرجل الذي لم يكن مجرد أبٍ لأبنائه، بل كان صورةً لجيلٍ كاملٍ عاش الحياة بكدٍّ وصبر، وصنع من البساطة معنىً عظيمًا للكرامة والاعتماد على النفس. وُلد في زمنٍ كانت فيه الحياة أشد قسوة، فشبّ منذ صغره على تحمّل المسؤولية. تعلّم القرآن الكريم في الكتاتيب القديمة، حيث كانت الحروف تُغرس في القلوب قبل الألسن، حيث كان التعليم مقرونًا بالقيم والاستقامة والاعتدال. ختم كتاب الله في سنّ الفتوّة، وبدأ رحلته الطويلة مع العمل والكفاح، غير منتظرٍ عطايا الحياة، بل ساعيًا إليها بساعديه وقلبه المؤمن.

في مقتبل عمره، خاض البحر غوّاصًا يبحث عن اللؤلؤ، يواجه أمواجه ومخاطره كما واجه رجال ذلك الزمن صعوبة العيش بثباتٍ وصبر. ثم انتقل بعد ذلك للعمل مع المقاولين المحليين طلبًا للرزق الحلال، قبل أن يلتحق بشركة الزيت ”أرامكو“، حيث أمضى سنوات عمره موظفًا مجتهدًا حتى بلغ سن التقاعد. لم يكن يرى في العمل مجرد وسيلةٍ للكسب، بل كان يعتبره قيمةً أخلاقية تحفظ للإنسان مكانته وكرامته، ولذلك بقي طوال حياته فخورا بأن قوته جاء حلالا طيبا من الرب الكريم وثمرةً لسعيه وتعب يديه وجهده الشخصي، لا هبةً ولا معروفا.

وكان رحمه الله رجلًا متدينًا بطبعه، يرى في الدين منهج حياة لا مجرد شعائر تؤدى. حافظ على الصلاة في المسجد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وكان متيّمًا بقراءة القرآن، حريصا على حضور مجالس الوعظ والإرشاد، مستمعًا ومتأملًا ومحبًا لكل ما يقرّبه إلى الله والعترة الشريفة. كما ارتبط قلبه بأعمال الخير ارتباطًا موثوقًا، فكان من أوائل الداعمين للجمعية الخيرية في مدينة صفوى ومنذ تأسيسها. عُرف بين الناس بأخلاقه وتواضعه ومبادراته الإنسانية إلى مساعدة الفقراء والمحتاجين، خصوصًا من تربطهم به صلة قربى، إذ كان يرى أن القريب المحتاج أولى الناس بالاهتمام والرعاية والتفقد والمتابعة.

ولم يقتصر حضور والدي على المساعدة الفردية فحسب، بل امتد إلى خدمة مجتمعه ومشاريع الخير في قريته. وبحكم امتهانه حرفة البناء، اجتمع هو ومجموعة من رجال البلدة الذين تجمعهم نفس الحرفة. وإيمانًا منهم بضرورة حفظ حرمة الموتى وصيانة المقبرة من الامتهان ووقايتها من العابثين، بادروا إلى بناء أول سور لمقبرة صفوى، حيث مسقط رأسه. كما كان من المؤسسين لأحد المساجد القريبة من منزله، حيث أقدم مع مجموعة من المؤمنين إلى شراء الأرض وبنائها بدايةً من سعف النخيل، ثم واصلوا دعم هذا المشروع حتى تحول إلى بناءٍ من الطوب يقي المصلين حر الصيف وبرد الشتاء. تلك الأعمال لم تكن بالنسبة له مواقف عابرة، بل كانت جزءًا من شعوره العميق بالمسؤولية تجاه دينه وناسه والأرض التي عاش فيها ومشت أقدامه في ربوعها.

أما في مجالسه، فقد كان رحمه الله حاضرًا بروحه وكلماته، لا يجلس في مجلس إلا ويترك فيه أثرًا طيبًا. امتلك موهبة وقدرةً على الحديث، فكان يسرد القصص المشوقة ويقدّم النصائح والحكم بأسلوبٍ محبب وملفت، حتى يجد الجالسون أنفسهم منصتين إليه بمحبة واحترام. وكان قلبه متعلقا بالحج والعمرة وزيارة المسجد النبوي والصلاة فيه، وكذلك السفر لزيارة مراقد أهل البيت من الأئمة الأطهار حَيْثُمَا يواريهم الثرى. وكان يجد في الوقوف في بيت الله الحرام راحةً لا تضاهيها راحة. لذلك ظل قلبه مُتيما ومُعلقًا بتلك الأماكن المقدسة، يزورها كلما سنحت الفرصة تقربا إلى الله تعالى وشوقًا ومحبةً ووفاءً لآل بيت النبي عليهم جميعا سلام الله.

وفي داخل أسرته، كان أبًا يحمل مزيجًا نادرًا من الحزم والرحمة. أحب أبناءه وبناته وحرص على رعايتهم وتربيتهم على أداء الفرائض والتمسك بالقيم الدينية والاجتماعية، وكان حيثما كان شديد الاهتمام بالصلاة في وقتها والاقتداء بتعاليم الدين والعترة الطاهرة وما تركوه للبشرية من مُثُل ومبادئ تسمو بالإنسان. امتلك شخصية قوية ومتوازنة، حيث كان حازمًا حين يتطلب الأمر الحزم، وعطوفًا رحيمًا حين يحتاج الموقف إلى اللين، ولذلك بقي حاضرًا في أسرته ونفوس الناس بهيبته ووقاره وما حملته قلوبهم له من محبة صادقة وتقدير.

وعندما رحل رحمه الله، لم يكن الحزن عليه حزن أسرته وحدها، بل حزن كثير من الناس الذين عرفوا صدق مواقفه وعطاءاته ووقوفه معهم في أوقات الشدة. بكاه البعيد قبل القريب، لأنهم لم ينسوا قلبه الكبير ولا أياديه البيضاء التي امتدت إلى المحتاجين دون منٍّ أو انتظار مقابل. كان المال عنده وسيلةً لفعل الخير لا غايةً للتفاخر، ولذلك بذله بسخاء وصدق نية وصفاء قلب. رحمك الله يا «أبا علي» يا والدي العزيز، وجزاك عن أهلك وأبنائك وبناتك ومجتمعك خير الجزاء وجعل مقامك في جنات النعيم مع من أحببت من محمدٍ وآله الطاهرين.