آخر تحديث: 5 / 6 / 2026م - 5:26 م

نورُ عليٍّ... حين يعود الزمنُ جميلًا

رضي منصور العسيف *

انتشر في الأيام الماضية مقطعُ فيديو جميلٌ يحمل بين مشاهده كلَّ معاني الحبِّ والولاءِ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، بصوت سماحة العلامة الشيخ علي المرهون رحمه الله.

وما يلفتُ النظر في هذا المقطع أنه ليس مجرد تسجيلٍ قديم يُعاد نشره بين حينٍ وآخر، بل هو قطعةٌ من الذاكرة الجميلة التي تأبى أن تشيخ. يتكرر حضوره في كل عام، فلا يملُّ الناس من مشاهدته، ولا تفقد مشاهده بريقها مهما تعاقبت السنوات. بل لعلَّه يزداد جمالًا كلما أعيد نشره، لأنه لا ينقل صوتًا وصورةً فحسب، بل يعيد إلينا زمنًا كاملًا من المحبة والصفاء والوفاء.

وأنت تشاهد المقطع، تمرُّ أمامك وجوهٌ كثيرة من أبناء الشويكة الذين ارتبطوا بمسجد الشيخ علي المرهون، وجوهٌ عرفت طريقها إلى المسجد، وعاشت في رحابه أجمل لحظات العمر. بعضهم غيّبهم الموت، فتترحم عليهم، وبعضهم تستحضر مواقفهم وسيرتهم الطيبة، وكأن الفيديو يفتح نافذةً صغيرة على زمنٍ مضى، لكنه ما زال حيًّا في القلوب.

ومن أجمل ما في هذا المشهد تلك الصفوف المتراصة من الأطفال الجالسين في هدوءٍ وإنصات. أطفالٌ لم تكن تشغلهم الشاشات ولا الأجهزة، بل كانوا يجلسون بقلوبٍ بريئة يستمعون إلى ذلك الإنشاد الولائي العذب. صورةٌ تختصر بساطة ذلك الجيل، وجمال تلك الأيام، حين كانت المحبة تُغرس في القلوب بالفطرة، وتنمو في ظلال المسجد والذكر المبارك.

ولم يكن الشيخ علي المرهون رحمه الله يعتمد على مؤثراتٍ صوتية، ولا على ألحانٍ مصطنعة، ولا على وسائل الإبهار الحديثة؛ بل كان يمتلك شيئًا أعظم من ذلك كلِّه: قلبًا صادقًا امتلأ بحب أمير المؤمنين . ولذلك كانت كلماته تخرج من القلب لتستقر في القلوب.

وما إن يبدأ الشيخ إنشاده بكلمات:

«نورُ عليٍّ ظاهرٌ يلمعُ...»

حتى تسري في المكان رعشةٌ من الفرح الممزوج بالهيبة، وكأن أبوابًا من النور قد فُتحت على القلوب. كان صوته ينساب بين الحاضرين انسياب الفجر في عتمة الليل، لا يلامس الأسماع وحدها، بل يصل إلى أعماق الأرواح. وكانت الكلمات تخرج محمّلةً بالإخلاص والمحبة، فتأخذ السامعين إلى عوالم من السكينة والطمأنينة.

وتتعالى أصوات المؤمنين مرددين معه الأبيات، فتتحول أرجاء المسجد إلى لوحةٍ من الولاء الخالص. ترى الابتسامات ترتسم على الوجوه، والعيون تلمع بدموع الفرح، وكأن الجميع يعيش لحظةً من لحظات الجنة وهم يرددون اسم عليٍّ .

وكان الشيخ علي المرهون ينشد بروح العاشق، لا بروح المؤدي. فكل نبرةٍ تحمل دفءَ الإيمان، وكل وقفةٍ تنطق بالشوق، وكل امتدادٍ في صوته يحكي قصة قلبٍ سكنه حبُّ أمير المؤمنين . لم يكن يردد كلماتٍ محفوظة، بل كان يسكب مشاعره ومحبتَه في أنغامٍ ولائيةٍ صادقة.

وفي تلك اللحظات بدا المسجد وكأنه بحرٌ من النور؛ نور الوجوه المؤمنة، ونور الكلمات المباركة، ونور المحبة التي جمعت القلوب على ولاية علي بن أبي طالب . وكان الفرح يحلّق فوق الرؤوس كنسيمٍ روحانيٍّ لطيف، يوزع على الحاضرين سكينةً لا توصف، حتى يخيّل للمرء أن الزمن قد توقف قليلًا ليمنحهم فرصةً أطول للعيش في رحاب هذا الذكر المبارك.

رحم الله الشيخ علي المرهون رحمةً واسعة، فقد كان حين ينشد هذه الأبيات لا يُسمع الناس صوتًا جميلًا فحسب، بل كان يوقظ في القلوب نورًا قديمًا لا يخبو، اسمه: حبُّ عليٍّ .

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف