القلبُ الأعمى… والقلبُ البصير
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]
العقلُ في القلب، كينونتُهُ عقلٌ، والعقلُ كينونتُهُ قلبٌ…!
وبصر القلب هو ما يُسمّى الوعي بالذات؛ ذلك الاستبطان الذي ينقلها إلى معناها، وما هو أسمى منها، وما يحيط بها، وما يجعلها تُدرك غربتها في صِلَةِ قشرتها «الجسد»، وقدرتها على استدعاء حضور الجمال المطلق فيها. وهذا ما يُسمّى «البصيرة بالتجلي»: قدرةُ القلب على رؤية حقيقة ذاته، وكينونته، وجوهره، وتعاليه، وكماله ونقصه، وضعفه وقوته وعظمته.
القلب الذي يُبصر يرى السبيل إلى كماله، لأنه قبل كل شيء أبصر ذاته، وعرف جوهرها، وكينونتها، وسرَّ عظمتها.
وبصرُ القلبِ مسارٌ يترقّى إليه، وطُهرٌ يُكتسَب، ومنزلةٌ يُصعَد إليها. ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ .
فبصيرةُ القلب وعقلُه يتحقّقان بعد سيره إلى ربّه بالطهر والجلال اللائق به، وحركة القلب نحوه، وقطعِ المسافة للوصول إليه، وطيَّ الغربة عنه، في سنوات أعمار تحملنا إليه..!
وبسير القلب نحو الله يتفتّق وعيُه؛ من كل خطوةٍ يخطوها، ومن كل خلوةٍ ينفرد بها، ومن كل ذكرٍ يغمره، ومن كل سكينةٍ تتنزّل عليه، ومن كل دمعةٍ طاهرةٍ تفيض بها عيناه. يرى ذاته بها، أو يكتشفها من خلالها، وما هذه الذات، وهذا القلب ببصيرته هنا إلّا محضُ تمثُّلٍ يرتقي ببشريّته، وسرّه، وكمون السر فيه، فوق الكائنات التي حُرِمَت من تجلّي نور الله عليها…! وما أكثر القلوب العمياء عن رؤية أجلّ جلال يُرى، وأجمل جمال يتجلى…!
نورٌ يبدأ في الذات حين تبدأ التعالي به…!
هل لأنّ النور يتجلّى من المُسمّى من خلال اسمه؟ هل لأنّ حضور اللفظ يستدعي بالضرورة حضور معناه؟ أم لأنّه حضر في قلبك، فانبجس بعذوبة ذكره لسانُك، ففاض عليك بما تستحقّ من الجلال والنور…!
حصر اللهُ النورَ فيه بالمطلق: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35]. والقلبُ الذي لا يحضره النور… أعمى!
الوعيُ بالذات منه، والإدراكُ لكل شيءٍ منه، ومنه اليقظةُ الأولى، ومنه ينشأ الوعي، وإليه يعود بالامتلاء والسكينة، وإدراك الجمال المطلق.
فقد خُلِقَ الإنسانُ ليتجاوز ذاته، ويتعالى عليها، ويتجاوز مضامينه، ويتجاوز جسده الضئيل؛ تارةً بتجلّي نور الله فيه، وتارةً باكتمال طمأنينته بربّه. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
هيغل، الفيلسوفُ الألمانيُّ العقلانيُّ ذو النسق الشمولي، يرى: «حقيقةُ الوعي هي الوعيُ بالذات، وهذا المبدأ هو حقيقةُ الوعي، بحيث إنّ في الوجود كلَّ وعيٍ بموضوعٍ آخر هو وعيٌ بالذات». كلُّ شيءٍ يبدأ بالذات وينتهي بها، أو يبدأ منها ويعود إليها.
الإنسانُ كائنٌ من أجل الإدراك، ومن يرى ببصره… أعمى. لأنّ إدراك البصر لا يتّصف باليقين، وهو مُرتبِك، ويناقض ذاته؛ فالبصرُ محضُ انعكاس الضوء على الأشياء.
البصرُ مُخبِرٌ يُضلِّل من يستخبره دون إدراكٍ منه، وبلا قصد. وعلى ظمأٍ مات العابرون في الصحاري، لأنّ أبصارهم أخبرتهم - بحماسة وصدق - عن ماءٍ قريبٍ في الجوار، فكان السعي وراء السراب الذي يستدرج ضحاياه للموت عطشًا…!
البصرُ يُكبّر كلَّ صغيرٍ إذا اقترب منه، ويُصغّر الكبير إذا ابتعد عنه؛ فهو يزيّف الواقع بحسب لحظته ومكانه. وتحتجب عنه الرؤية عند كل حجابٍ وحاجز، فلا يرى ما بعده ولا ما خلفه.
القلبُ يرى ملكوت السموات والأرض…! البصرُ يرى الظاهر، والقلبُ يرى الظاهر والباطن. ويرى السرابَ سرابًا وإن زاغ البصر. ويرى الكبيرَ كبيرًا، والصغيرَ صغيرًا وإن طغت العين. ويرى الغدرَ خلف دموع إخوة يوسف، وإن تعالى صراخهم ولطمت وجوههم، ويرى الفجورَ في عين حامله، وإن ترطّب لسانه بذكر الله.
القلبُ البصير… يرى. ومن كان بصرُه في عينيه فقط أعمى.
ومن لم يحضر اللهُ في قلبه، فقلبه قبر.
ومن كان في قبرٍ لا يرى فهو أعمى ولو كان بصيرًا.
ومن أعرض عن جماله فهو أعمى،
ومن أعرض عن جلاله فهو أعمى،
ومن استبدل به غيره فهو أعمى،
ومن لم يره بقلبه… فهو أعمى.
ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ . [الحج: 46].













