آخر تحديث: 7 / 6 / 2026م - 8:35 م

اقتصاد الوقت.. كيف تحوّل ساعات العمل المرنة ازدحام الرياض إلى فرصة للنمو؟

أحمد مكي الجصاص * صحيفة مال

في عالم تتنافس فيه المدن على جذب الاستثمارات والكفاءات، لم يعد النجاح مرتبطًا فقط ببناء المشاريع الكبرى، بل بقدرة المدينة على إدارة الوقت بكفاءة. ومن هذا المنطلق تأتي مبادرة الهيئة الملكية لمدينة الرياض لتطبيق ساعات العمل المرنة في ستة مواقع رئيسية، بوصفها خطوة عملية تعكس فكرًا اقتصاديًا حديثًا يركز على رفع الإنتاجية وتحسين جودة الحياة في آن واحد.

تعاني المدن الكبرى حول العالم من تحدي الازدحام المروري الذي يستهلك ملايين الساعات سنويًا ويؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد، فكل دقيقة يقضيها الموظف عالقًا في الطريق تعني وقتًا مهدورًا وإنتاجية أقل وتكاليف تشغيل أعلى، لذلك تتجه المدن المتقدمة إلى حلول أكثر ذكاءً تعتمد على إعادة توزيع حركة التنقل بدلاً من الاعتماد الكامل على التوسع في البنية التحتية.

وتشمل المبادرة أكثر من 50 جهة عمل في مواقع اقتصادية وحيوية بارزة، مع منح الموظفين مرونة أكبر في أوقات الحضور والانصراف، ورغم بساطة الفكرة ظاهريًا، فإن آثارها الاقتصادية تتجاوز حدود بيئة العمل لتشمل شبكة النقل والقطاع الخاص والمجتمع بأكمله.

وتشير تقارير دولية صادرة عن البنك الدولي ومنظمات النقل الحضري خلال السنوات الأخيرة إلى أن الازدحام المروري يكلف بعض المدن ما بين 2% و 5% من ناتجها الاقتصادي سنويًا نتيجة الوقت المفقود وارتفاع تكاليف الوقود والتشغيل، لذلك فإن أي مبادرة تساهم في تخفيف الضغط على الطرق خلال ساعات الذروة تمثل استثمارًا اقتصاديًا غير مباشر ينعكس على كفاءة الاقتصاد الحضري.

اللافت في هذه المبادرة أنها تنطلق من مفهوم «إدارة الطلب» بدلاً من «زيادة العرض»، فبدلاً من إنشاء طرق إضافية لمواكبة الارتفاع المستمر في أعداد المركبات، يتم توزيع أوقات التنقل على فترات زمنية مختلفة، ما يرفع كفاءة استخدام البنية التحتية الحالية ويحقق نتائج ملموسة بتكلفة أقل.

كما أن المرونة الوظيفية أصبحت اليوم أحد العوامل المؤثرة في رفع الرضا الوظيفي واستقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها، وتشير دراسات حديثة إلى أن الموظفين الذين يتمتعون بمرونة أكبر في تنظيم وقت العمل غالبًا ما يحققون مستويات أعلى من الإنتاجية والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية، وهو ما ينعكس إيجابًا على أداء المؤسسات والاقتصاد بشكل عام.

وتأتي هذه الخطوة متسقة مع ”مستهدفات رؤية المملكة 20301“، والتحولات الكبرى التي تشهدها الرياض نحو أن تصبح واحدة من أبرز المدن الاقتصادية العالمية، فالعاصمة تشهد نموًا سكانيًا واستثماريًا متسارعًا، ما يجعل تبني الحلول الذكية ضرورة وليست خيارًا، ومع توسع مشاريع النقل العام وتطوير البنية التحتية، تشكل ساعات العمل المرنة عنصرًا مكملًا لمنظومة متكاملة تهدف إلى بناء مدينة أكثر كفاءة واستدامة.

إن القيمة الحقيقية للمبادرة لا تكمن في تغيير موعد بدء الدوام أو انتهائه، بل في تغيير طريقة التفكير في إدارة المدن، فالاقتصادات الحديثة لم تعد تقيس النجاح بعدد المشاريع فقط، وإنما بقدرتها على استثمار الوقت وتحويله إلى قيمة مضافة.

قد تكون ساعات العمل المرنة من أبسط القرارات تنظيميًا، لكنها من أكثرها تأثيرًا اقتصاديًا. فالمدن التي تنجح في تقليل الهدر الزمني وتحسين تجربة التنقل هي المدن التي تخلق بيئة أفضل للاستثمار والعمل والعيش، والرياض اليوم تخطو بثقة نحو هذا النموذج الحضري المتقدم.

مستشار الموارد البشرية